نهاية الكون مادة دسمة أثارت شهية المفكرين

آدباء وفلاسفة يرسمون المشهد الأخير للعالم نهاية الكون مادة دسمة أثارت شهية المفكرين

القاهرة – شريف الشافعي
«نهاية العالم»، مقولة تصف تصورات عدة، ابتكرتها خيالات الأدباء عبر التاريخ، ونسجتها عقول الفلاسفة، كما رسمت ملامحها الأديان والمعتقدات، وحاول العلماء رسم سيناريوهات لحدوثها. لكن تبقي المقولة بعيدة عن التحقق حتى الآن، لأن العالم مستمر، وماضٍ في خطواته بقوة، رغم ما تصادفه الانسانية من بؤس وشقاء في بقاع كثيرة من الأرض.
وفي حين يرى بعض المراقبين والمحللين أن التغيرات السياسية في العالم، التي حدثت في الآونة الأخيرة، خصوصًا بعد تمدد اليمين المتطرف في أوروبا ووصول الجمهوري ترامب عرش للرئاسة في أميركا، وما أعقب ذلك من تبعات، قد تمثل نذير شؤم، وتمهيدًا لنهاية العالم، بالمعني الحقيقي لا المجازي، فان محللين آخرين يرون غير ذلك، اذ يطرحون فرضية التبشير بذبول قيادة الغرب، وفقدانه السيطرة على العالم، واتجاه العالم نحو مزيد من التنوع السياسي والايديولوجي، وتوطيد أواصر التعاون.
تعبر مقولة «نهاية العالم» في نسقها الأعم لدي هذه الفرق كلها، عن توقيت معين يتم فيه تدمير الكون أو الأرض أو البشرية وفناء الحياة الدنيا، لكن: كيف يرى كل فريق من هؤلاء «نهاية العالم»؟ وأي خيال أو تخمين أو نظرية أو يقين أقدر على التنبؤ بما سيمضي اليه البشر خلال السنوات المقبلة، القريبة أو البعيدة؟
التفسير العلمي، لدي مناصري نظريات اقتراب نهاية العالم، يُرجع امكانية حدوث انقراض للبشرية إلى الممارسات والنشاطات الانسانية الخاطئة، كالتلوث وقلة الموارد الطبيعية والحروب. ويربط بعض أنصار هذا التيار انقراض البشرية بالحروب النووية، وبالاحتباس الحراري، على وجه الخصوص، الذي يمكن أن يُحدث نقصًا متواصلا في أوكسجين الهواء نتيجة موت البلانكتون وتحرير كبريتيد الهيدروجين المميت لجميع أشكال الحياة.
وقد رسم التصور العلمي لنهاية العالم بعض سيناريوهات لتدمير الكرة الأرضية، منها: ارتطام مذنب أو جسم من الفضاء الخارجي بالأرض، أو أن تبريد نواة الأرض سيقضي على المجال المغنطيسي للأرض، مما سيترك المجال مفتوحًا للرياح الشمسية لتدخل إلى غلاف الأرض وتقصف سطح الأرض بجزيئات طاقية، فيما تحدث البعض عن الموت الحراري للكون نتيجة استمرار الانخفاض في كثافة المادة والاشعاع.

تحذيرات
ومنذ أسابيع قليلة، تناولت وسائل الإعلام تحذيرات جادة لعلماء نبهوا أن البشرية قد تواجه بالفعل خطر الانقراض ، اذا لم يتم تدارك الاحتباس الحراري، الذي قد يضع كوكب الأرض في مواجهة مصير كارثي، معتبرين أن الأرض ينتظرها سيناريو شبيه بما حدث قبل 250 مليون سنة، حين أدت كارثة ضخمة إلى القضاء على 90 في المئةمن الكائنات الحية في الكوكب. وذكر باحثون أن ما توصلوا اليه يجب أن يكون «درسًا للانسانية»، حتى تتعامل بجدية مع معضلة الاحتباس الحراري. ورجح العلماء أن تكون كارثة الأرض القادمة مماثلة لانقراض العصر البرمي الترياسي، وفق ما ذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، واحتاج كوكب الأرض إلى فترة طويلة بعد الانقراض الترياسي، حتى يستعيد الحياة.
ومن العلم، إلى حقول الفلسفة والفكر والنظريات السياسية، التي تعاملت مع مقولة «نهاية العالم»، ساعية إلى قراءة حركة الواقع.
المفكر والفيلسوف والمؤرخ الأميركي نعوم تشومسكي، أستاذ اللسانيات وصاحب الأكثر من مائة كتاب، يرى في حديث أجرته معه مؤخرًا صحيفة «ال مانيفستو» الايطالية أن الجنس البشري يواجه تحديًا غير مسبوق، والعالم يقف على مفترق طرق لم نشهده من قبل.
وبني تشومسكي مخاوفه من اقتراب نهاية العالم على أسباب عدة، منها قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قضي بوقف محاولات الرئيس السابق أوباما الحد من الآثار المدمرة للاحتباس الحراري، الأمر الذي يعد بمثابة تقدم سريع نحو دمار الكوكب وفناء الجنس البشري. كما وصف تشومسكي الحزب الجمهوري الحاكم حاليًا بأنه أحد أخطر المنظمات في تاريخ البشرية، وقال ان تمدد اليمين المتطرف في أوروبا سريع، وان مخاطر التصادمات والتوترات الستراتيجية تتصاعد بين الدول التي تنتمي إلى المعسكر الروسي والمعسكر الأميركي، ومن الجنون نشر صواريخ تابعة للناتو على الحدود مع كندا والمكسيك.
ووصف تشومسكي توسع الناتو بأنه يشكل ستراتيجية استفزازية خطيرة، مشيرًا إلى أن الرادع النووي سيضع الأساس لمواجهة أخيرة «ستقضي على الجنس البشري»، ورأي أن العالم على شفا حرب نووية، وهو ما يعني فناء الجنس البشري، كما أن جنوح الولايات المتحدة نحو التصرف بعدوانية وشراسة أكبر تجاه بقية العالم سيقلص فرص بقاء الجنس البشري على قيد الحياة.

نزاعات ثقافية
أما صامويل هنتنغتون صاحب نظرية «صدام الحضارات» الشهيرة، واعادة تشكيل النظام العالمي، فقد رسم في أطروحته مسارات ما بعد الحرب الباردة، موضحًا أن الصراعات لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، لكن ستكون الاختلافات الثقافية هي المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر. وكانت هذه النظرية استكمالًا لأطروحة فرانسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ» و»الانسان الأخير».
ويرى محللون أن تنظيم «داعش» الارهابي، هو أحد الافرازات الواقعية لمثل هذه النظريات، اذ تقوم ممارساته على فكرة المعركة الدامية للسيطرة على العالم، انطلاقًا من فلسفات صدام الحضارات ونهاية العالم، التي تشكل كنزًا ستراتيجيًا للتنظيمات المتطرفة عمومًا.

تعاون وتنوع
من جهة أخرى، يعارض فلاسفة ومفكرون آخرون فكرة أن العالم في طريقه إلى الزوال جراء مزيد من الصراعات والنزاعات، ومنهم الأميركي البروفيسور تشارلز كوبتشان، أستاذ العلاقات الدولية والزميل الأول في «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي، الذي يستبعد امكانية حدوث نهاية العالم قريبًا.
ويذهب كوبتشان في كتابه «عالم واحد للجميع/ شروق عالم للجميع بلا وصيّ»، الصادر حديثًا عن «مركز الأهرام للترجمة والنشر» بالقاهرة، بترجمة كمال السيد، إلى الاعتقاد باضمحلال قيادة الغرب، وفقدانه السيطرة على العالم، مشيرًا إلى أن العالم يتجه نحو التنوع السياسي والايديولوجي، والمزيد من التعاون، والدول الصاعدة لن تذعن لسيطرة الغرب، ولن تأخذ بطريقته، فقد تحقق صعود الغرب نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية خاصة به، في حين تتبع الدول الصاعدة حاليًا إلى القمة، ومنها: الصين والهند والبرازيل وروسيا، طريقها الخاص إلى الحداثة، ولها مفاهيمها الخاصة عن النظامين؛ المحلي والدولي.
ويوضح كوبتشان أن التحول القادم هو صعود بقية العالم، غير الغربي. والاقتصاد هو «كلمة السر»، اذ سيظهر «ملعب عالمي» أكثر اتسامًا بالمساواة بشكل تدريجي عبر عقود، وليس سنوات، كثيرة قادمة، والعالم القادم لن يكون ملكًا لأحد. فالطريق الغربي لن يجري تعميمه ليشمل العالم بأسره، ولن يحل محله مركز جاذبية جديد، ولا نموذج مسيطر، فالعالم القادم سيكون متعدد الأقطاب، ومتنوعًا سياسيًّا على حد سواء، وسيضم قوي كبري تتبني مفاهيم متباينة بما يشكل نظامًا مشروعًا وعادلًا، تقل فيه حدة النزاعات.
والي ساحة الأدب، حيث التعامل الفني والمجازي والفانتازي مع مقولة «نهاية العالم»، اذ تتسع المخيلة الابداعية على مر العصور للحظة نهاية العالم وانقراض البشر، بل وتتجاوز ذلك أحيانًا إلى ما بعد هذه النهاية الافتراضية من امكانية تحقق حياة جديدة.
الروائي العالمي نجيب محفوظ في «أحلام فترة النقاهة»، آخر أعماله السردية، يصف سيادة عصر الموت المجاني، وتحول القتل إلى فن له أصول علمية، حيث تصير الحياة في خبر كان. يقول: «دعاني المرحوم المهندس (د) لمشاهدة اختراعه الجديد، فجلست مع الجالسين، وقال المرحوم انه محرك جديد وقد جربه بنجاح، ودخل سيارة صغيرة وجلس أمام عجلة القيادة وضغط على زر، واذا بالنار تلتهم السيارة وما فيها، وما زالت رائحة الموت تملأ خياشيمي».
أما «الأصول العلمية الحديثة لفن القتل»، و»المعهد العصري للجريمة»، في عالم منتهٍ اكلينيكيًّا أو لا وجود له، اذ بات يكرس كل قواه للدمار الشامل وتفكيك الشعوب والقتل، فيستعرضها نجيب محفوظ في حلم آخر يقول فيه: «في الصباح الباكر اكتشفت الجريمة الوحشية. وما لبثت وحشيتها أن صارت حكاية على كل لسان. ولكني لم أجد موضعًا للاختباء اذ أن المكان كله يتقاسمه رجال الشرطة وطبيبات المرض النفسي. وأصبحت فريسة للقلق، حتى استدعتني إلى حجرتها كبيرة الطبيبات. وقالت لي: الأكثرية هنا يفسرون وحشية هذه الجريمة بالقسوة الكامنة في طبيعة القاتل، أما أنا فأفسرها بقلة خبرته وجهله للأصول العلمية الحديثة لفن القتل، لذلك قررت الحاقه بالمعهد العصري للجريمة. والله ولي التوفيق.».

كارثة وجودية
وثمة تيار أدبي خاص يعرف بأدب نهاية العالم وما بعدها، ويهتم بنهاية الحضارة وانقراض الانسانية بسبب كارثة وجودية محتملة مثل حرب نووية أو هجوم من الفضاء الخارجي أو اصطدام جسم غريب بالأرض أو ثورة تقنية أو ظواهر خارقة أو حكم الهي أو تغير المناخ، وما إلى ذلك. وتدور أعمال هذا النسق الأدبي عادة في عالم مستقبلي (ما بعد نهاية العالم)، وقد تختلط هذه الكتابة بأدب الخيال العلمي.
وفي عالم الشعر، هناك الكثير من الأعمال التي استلهمت نهاية العالم، على مر التاريخ، منذ الملاحم الاغريقية، مرورًا بالتراث الشعري العربي، ومؤلفات عصر النهضة الأوروبي، وصولًا إلى شعراء معاصرين، منهم المصري محمد القليني، صاحب قصيدة «نافذة تطل على نهاية العالم»، وفيها تحل القصيدة ذاتها بديلًا عن العالم الخرب المنهار: «تَقولُ زَوجَتي: انَّ بَيتَنا قَديمٌ جِدًّا، وانَّ حُجْرةَ الأطْفالِ، لا تتَّسِعُ لسَريرَينِ صَغيرَينِ، فَكَتَبْتُ بَيْتًا شِعْرِيًّا ذا مَجازٍ رَحْبٍ، وقُلْتُ وأنا أُشيرُ اليه: يُمْكِنُنا أنْ نَنامَ ها هُنا اللَيلةَ».