أبناء الطلاق .. واقع مؤلم ومستقبل غامض خبراء اعتبروا "أبغض الحلال" بوابة لانحراف الأطفال ووقوعهم فريسة للإدمان والمخدرات

0 179

القاهرة – شروق مدحت:

” أنتِ طالق”، ليست مجرد كلمة ينتهي مفعولها بمجرد حدوث الانفصال بين الزوجين، لكنها تظل عالقة في أذهان الأطفال لسنوات طويلة وتعتبر بوابة للمشاكل النفسية، التي تلازمهم طوال حياتهم، منها، الاكتئاب،العدوانية، فقدان الشعور بالأمان والاستقرار، مما يدفعهم في محاولة منهم لتعويض ما ينقصهم من الشعور بالجو الأسرى والنشأة بين والديه، للاتجاه إلى الإدمان المخدرات، والانحراف الأخلاقي، والعلاقات الجنسية المتعددة.
حول آثار الطلاق على الأبناء وحرمانهم من أحد الوالدين أكد عدد من الخبراء والمختصين في الصحة النفسية لـ”السياسة” أن الطلاق يؤدي إلى انعدام ثقة الأطفال بأنفسهم والشعور الدائم بالوحدة والحزن، واضطرابات النوم وفقدان الأمان والاستقرار النفسي لهذا يصبحون أكثر عرضه للإصابة بالعدوانية والاكتئاب واللجوء للإدمان والمخدرات، وفيما يلي التفاصيل:

بداية، أكدت اختصاصية التأهيل النفسي نهى رأفت، أن الطلاق يؤثر بشكل سلبي ومباشر على الطفل، إذ إنه في سنين عمره الأولى يبدأ باكتشاف العالم من حوله متمثلا في والديه وأشقائه، من ثم يبدأ تكوين علاقاته بهم، كما تبدأ شخصيته ونفسيته وسلوكياته في التكوين، لذا فعند حدوث الطلاق يعاني الطفل من مشاكل عدة في سلوكياته وتعاملاته.
أضافت، كشفت الدراسات أن الطلاق يتسبب في الكثير من المشاكل الصحية والنفسية له، إذ يؤدي إلى تراجع نموه الجسدي، تأخر نضجه العقلي، كما يجعله يعاني من انعدام الثقة بالنفس والشعور الدائم بالوحدة والحزن، اضطرابات النوم، رؤية كوابيس، وقد يصل الأمر إلى إصابته بالتبول اللاإرادي نتيجة المشاعر السلبية التي تحيط به.
وأشارت إلى إن فقدان الطفل أحد الأبوين، بعد مرحلة الانفصال، يجعله يشعر بالغضب الدائم والرغبة في البكاء، اذ يؤدي انخفاض عدد لقاءات الطفل مع الطرف الآخر إلى الشعور بفقدانه، ما يترتب عليه فقدان الأمان والاستقرار النفسي، لهذا يصبح أكثر عرضه للإصابة بالعدوانية تجاه الوالدين،والاكتئاب الناتج عن التفكير المستمر في الطرف المنفصل عنه، وزيادة المشاكل مع أقرانه بالمدرسة، وضعف في معدل التحصيل الدراسي بسبب قلة النوم وعدم تناول الطعام بشكل طبيعي. وبينت أن الصراعات بين الوالدين حول النفقات المادية،وحضانة الأطفال، ومواعيد رؤيتهم، تؤدي إلى تشتيت الطفل والشعور بفقدان الأمان الأسري الذي اعتاد عليه فى بداية حياته، لافتة إلى أن رد فعل الطفل بعد الطلاق يتوقف على عمره ومدى قدرته على التكيف مع الظروف الجديدة بعد الانفصال، فرد فعل الطفل في عمر السنتين يأتي على شكل تأخر الطفل في التحدث والتلعثم بشكل واضح، مع الرغبة في الوحدة والابتعاد عن التجمعات العائلية.وذكرت أنه في مرحلة الحضانة بداية من عمر ثلاث سنوات فأكثر تزيد العدوانية ويتراجع النمو الجسدي والعقلي، وعند الوصول إلى المرحلة الابتدائية من عمر ست سنوات يزداد العنف لديه نتيجة الشعور الدائم بالحزن، مع رفض الطعام والهدايا وجميع العوامل التي تجذب الانتباه، ما يؤدي إلى قلة التحصيل الدراسي في المدرسة، فكل ما يشغله في تلك المرحلة هو الرغبة في التعايش وسط الأبوين والاستقرار النفسي مثل أقرانه وفي عمر التسع سنوات تشتعل مرحلة الخطورة إذ تبدأ لديه الرغبة في الوحدة والانعزال عن العالم الخارجي، مع العديد من السلوكيات غير اللائقة مثل، الغش، السرقة، الكذب.
وأوضحت أن الطلاق إذا وقع في مرحلة المراهقة، التي تبدأ من عمر 12 – 18 سنة، فان الطفل يشعر بالاستقلالية غير الناضجة، فيأتي بكثير من السلوكيات الخطرة مثل، الأفعال العنيفة مع الأصحاب والعائلة، وتناول المخدرات، والدخول في علاقات جنسية خطرة، لذا يجب أن يخضع الطفل لتعديل سلوكياته وحمايته من المخاطر الناتجة عن عملية الانفصال بالتحدث معه،وتفسير أسباب الطلاق بشكل مقنع وغير عدائي مع الطرف الآخر، والتأكيد على حب واهتمام الوالدين له، وأنه لا ذنب له فى الطلاق.
من جهته، أكد الدكتور حسام الدين أمين، استشاري الصحة النفسية وتعديل السلوك، أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدا في نسب الطلاق بشكل مخيف، حتى أصبح من أكثر المشاكل الاجتماعية التي تواجه المجتمع، بسبب افتقاد الوالدين أو احدهما للقيم الأساسية للزواج، فلم يعد يحكمها حالياً سوى غريزة الإنسان الطبيعية.
لذا يتعرض الطفل بعد الطلاق لكثير من المخاطر النفسية لأن الطلاق يرتبط بأحداث وتراكمات تظل عالقة في ذهنه طبقاً لعمره، فشخصية الطفل تبدأ في مرحلة التكون من عمر الثلاث سنوات، عند حدوث الانفصال بداية من هذه السن يحدث زعزعة للثقة تجاه أبويه، مما يتسبب في تدهور نفسيته فيصاب بالاكتئاب، بسبب مشاعر العداء المتبادلة بين الأب والأم، وقيام كل منهما بالتحدث عن الطرف الآخر بشكل سيئ أمامه، كما تلعب الصراعات حول حضانته، التي يصاحبها قضايا متبادلة في المحاكم، فإذا كان في مرحلة المراهقة فانه يدرك الأمر ويستطيع تجاوز الصدمة لتبلور شخصيته وقدرته على تفهم الأمور بشكل كبير، أما إذا كان أقل من ذلك فإنه يتعرض لمشاكل نفسية كثيرة. وتابع: إن طريقة تعامل الوالدين مع الطفل بعد الطلاق تتوقف على الترابط بين الطفل والأبوين قبل الطلاق، فوجود علاقة أسرية ناجحة بين الطفل ووالديه قبلها سيساعد على تأقلم الطفل مع الوضع الجديد، أما في حال تدهور وتوتر العلاقة السابقة فستكون الأمور أكثر تعقيداً، ولن يستطيع طرف إقناعه بما حدث لفقدانه الثقة في أقرب الأشخاص لديه. ولفت إلى أن مرحلة الطلاق تتطلب التعامل بشكل دقيق وحساس مع الطفل لتجنب الآثار السلبية والحد من المشاكل النفسية التي يصبح أكثر عرضه لها، لذلك ينبغي التركيز على تعزيز ثقته بذاته،منحه الشعور بالمساندة والأمان في كل وقت، اهتمام الوالدين بعلاقاته الاجتماعية، التعامل معه كصديق، أخذ رأيه في كل ما يحدث، والتحدث باستمرار عن أنشطته اليوميه وبخاصة المدرسة و الأصدقاء.
واتفق استشاري الطب النفسي والعلاقات الأسرية الدكتور علاء رجب، مع ما سبق وأكد أن الفترة الماضية شهدت بالفعل ارتفاعا في نسب الطلاق،لاسيما بين المتزوجين حديثاً، بسبب التكنولوجيا التي أتاحت للأزواج مشاهدة العديد من المناظر المثيرة على القنوات الفضائية وشبكات الإنترنت، كما ساعد الاستخدام المفرط في وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، على الانفتاح بشكل كبير وتكوين العديد من العلاقات العاطفية التي أسهمت بدورها في ارتفاع معدلات الطلاق.
وأضاف ساهمت الضغوط الاقتصادية والخلافات على المشاركة المادية للزوجة في متطلبات المنزل، دورا في ارتفاع نسب الطلاق بسبب تعدد الأعباء المالية والمسؤوليات المطلوبة من الزوج، خاصة فى بداية الحياة الزوجية، لأن الزوج في هذا الوقت لم ينته بعد من سداد تكاليف الزواج، كما أن تدخل الآخرين
في الخلافات الزوجية، كان سبباً في تزايد حالات الطلاق بشكل كبير.
يضيف: إن الجيل الحالي من الشباب يفتقد للمفهوم السليم لمعنى الزواج، إذ يظن البعض أنه أمر مقدس لابد منه في توقيت زمني محدد وبطقوس وترتيبات خاصة وذلك دون النظر إلى توافق الشخصيات، لذا يجب التفرقة جيداً بين الحب والتوافق، فالحب لا يصلح وحده لإقامة حياة زوجية مستقرة، أما توافق شخصيتى الزوجين، أي تفهم وجهة نظر كل منهما للآخر بنوع من المرونة حتى يتم التأقلم والتعايش مع بعضهما، فيساعد على استمرار الزواج.
وأوضح أن الحد من ارتفاع نسب الطلاق يكون بتوسيع الزوجين دائرة المعرفة السليمة بأصول العلاقة الزوجية للحفاظ على علاقتهما بشكل صحيح،بالتالي سيحافظان على صحتهما النفسية والجسدية، وهذا لن يتحقق إلا بثقافة الحوار التي تفرض على الطرفين الاستماع لبعضهما وتقبل الاختلافات للوصول في النهاية إلى حل يرضي جميع الأطراف بشكل من الود والمحبة، مشيرا إلى أن عدم وجود تفاهم بين الزوجين يترتب عليه زيادة المشاكل الأسرية بينهما التي تنتهي عاده بالطلاق، لأن بعض الزوجات لا يستطعن تحمل المسؤولية في هذه الظروف الصعبة، التي تتطلب من الطرفين تحمل المسؤولية لتكوين الأسرة، لذا يجب مواجهة المشاكل في بداية الحياة الزوجية حتى تستقر الأحوال المعيشية.
وتوضح سهام حسن، أخصائية الأمراض النفسية وتعديل سلوك الأطفال، أن تجربة الطلاق تظل عالقة في ذهن الطفل طيلة عمره، حيث تكبر جميع التفاصيل معه، مما يعرضه للكثير من المخاطر النفسية، بسبب التجارب القاسية التي لا يستطيع نسيانها، منها شجار الوالدين، الشعور بالخوف والقلق نتيجة المشاكل الأسرية، ولحظة اتخاذ قرار الطلاق. وأشارت إلى أنه رغم أن الكثير من الأطفال لا يعرفون معنى كلمة طلاق لصغر أعمارهم، لكن المشاعر المحيطة بالموقف تظل عالقة بأذهانهم، خاصة عند الانتقال للعيش في منزل جديد، زيارة أحد الوالدين في منزله، مما يشعره بالخوف الشديد، كما تؤثر لحظات الضعف والانهيار من قبل الأم عليه فيفقد إحساسه بالأمان تجاه أقرب الأشخاص إليه، إذ يحن دائماً للأوقات السعيدة التي كان يعيشها في الماضي، ويتمنى عودة استقرار الحياة القديمة،خاصة في المناسبات والأعياد التي كانت تجمع شمل جميع أفراد الأسرة.
وتابعت إن التغيرات التي يمر بها الطفل تؤثر بشكل كبير على سلوكه في الكبر، إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون ذلك في مصلحته في حال زيادة المشاكل بين الأبوين، ففي تلك الحالة يعد الطلاق إيجابيا لحمايته من الآثار النفسية المترتبة على تلك الخلافات، لافتة إلى أنه إذا حاول كل من الزوجين إثبات صحة موقفه بجميع الطرق،خاصة في القضايا أمام المحاكم، على حساب الطرف الآخر، فإن ذلك يؤدي إلى تدمير نفسية الطفل،ونشأة صراع داخلي لديه بحثا عن أهميته.

You might also like