أجوبة جديدة لأسئلة قديمة

مهى عون

فيما يلف الغموض مشهدية مجريات الأحداث في الشرق الأوسط, بسبب غياب الرؤية الواضحة لمستقبل ما كان يسمى “الربيع العربي”, وفي ظل بزوغ البدائل لهذا الربيع, بإعادة طرح مقولة “الشرق الأوسط الجديد” التي طالما تناولها أرباب السياسة الأميركية, ناهيك بالمفكرين والمخططين والملهمين اليهود, بدأت تتبلور أشكال أجوبة لأسئلة شغلت الفكر العربي على مدى العقود الماضية. منها على سبيل المثال لا الحصر تلك المتعلقة بأسباب حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة ومبرراتها وخلفياتها. ومنها أيضاً تلك المتصلة بمجريات الأحداث في سورية ولبنان. أما ملامح هذه الأجوبة, فلقد بدأت تظهر على خلفية ما نراه من نزاعات حالياً على أرض الواقع في سورية والعراق ولبنان, والتي تشكل في الحقيقة استكمالاً لمسلسل أميركي طويل بدأ منذ قرار شن كل هذه الحروب الماضية واستكمل في النزاعات المفتعلة بين سورية ولبنان وصولاً لمراحله شبه النهائية التي نعيشها اليوم.
إن ما نعاصره اليوم من أحداث وحروب طاحنة في العراق وسورية ولبنان, إنما بات يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك, أن هذه الدول ما زالت تعيش أجواء مخاض “الفوضى الخلاقة”, وهو الشعار الذي رفعته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس بعد غزو الولايات المتحدة الأميركية العراق في العام 2003, وذلك إتماماً واستكمالاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد, المراد أن يتم في نهايته تقسيم الدول العربية دويلات صغيرة, لتصبح إسرائيل فيه القوة العظمى. أما بخصوص جملة الأسئلة التي بدأت أجوبتها ترتسم اليوم من خلال غبار الحروب والمطاحنات الذي يهدف لحجب الرؤية, فهي تتمحور حول أسباب مجريات كل الأحداث والحروب التي شهدتها الساحات في سورية والعراق ولبنان وسواها من الدول العربية خلال العقود الماضية, وهي أسباب قد تفسر مجريات الأحداث اليوم, كونها ترتبط بها وتشكل استكمالاً لها.
وبالعودة لحرب الخليج الأولى التي نشبت بين إيران والعراق ودامت 8 سنوات (1980-1988) وخلفت نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أميركي لتكون أطول نزاع عسكري في القرن العشرين, يمكن القول اليوم إن الأمر الأهم وبيت القصيد من وراء شنها, كان إنهاك الجيش العراقي الذي كان يسمى الجيش الذي لا يقهر, ناهيك بأن نتائجها كان لها بالغ التأثير في العوامل التي أدت إلى حروب الخليج الثانية والثالثة. وبما أنه كان مخططاً أن يُصار إلى استكمال إيصال العراق إلى حالة الوهن والضعف والنزاعات التي لا تنتهي, تمهيداً لدخول إيران وهيمنتها, كان التحفيز والتشجيع الأميركي لصدام حسين من أجل غزو الكويت, على خلفية دعم ادعائه حق استرجاع الكويت بزعم أنها تابعة للكيان العراقي. وكان أن شن الجيش العراقي حربه على الكويت في 2 أغسطس 1990, أي بعد سنتين فقط من نهاية حربه مع إيران. وكانت حرباً دامت عملياتها العسكرية يومين انتهت باستيلاء القوات العراقية على كامل الأراضي الكويتية, وأعلن صدام حسين حينها الكويت المحافظة 19 من العراق. أما الهدف الأميركي من وراء هذا الدفع والدعم لصدام حسين لخوض هذه المغامرة, ربما الناجحة عسكرياً ولكن الفاشلة عربياً, فهو إثارة الغيظ والغضب العربيين ضد صدام حسين وجيشه, وخصوصاً على صعيد الدول الخليجية, تمهيداً لطرح علل حصول الحرب الثانية ومسبباتها, أي ما سمي بعاصفة الصحراء الأنغلو-أميركية التخطيط والتنفيذ, والتي كان هدفها الظاهري إخراج القوات العراقية من الكويت وهدفها الباطني استكمال ضرب هيكلية الجيش العراقي وقيادته وتشويه صورته. وكان أن شُنت حرب الخليج الثانية بعد ستة شهور من احتلال الكويت, وانتهت بتحرير الكويت في 26 فبراير 1991 وانسحاب القوات العراقية من الكويت منهكة تجر ذيول الخيبة. وكانت تلك الصفعة الثانية التي يتلقاها الرئيس العراقي صدام حسين والتي ساهمت في تكتل العالم العربي والغربي ضده ومهدت لشن حرب الخليج الثالثة, أو ما يسمى غزو العراق, العام 2003. وكان أن سقط العراق بنتيجة هذا الغزو وتم إعدام صدام حسين في 30-12-2006, بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وانتهت بذلك مرحلة من تاريخ العراق الذي حكمه صدام لنحو ربع قرن وأصبحت الطريق ممهدة وسالكة وسهلة لدخول الهيمنة الإيرانية على العراق وتصديرها عبره إلى سورية ولبنان, حيث شكل النظام السوري ممراً سهلاً لانتشار الأيديولوجيا الإيرانية باتجاه لبنان وسورية, كونه كان محتلاً للأراضي اللبنانية حينها. وبعد انسحاب الجيش السوري نتيجة الضغط الشعبي المتمثل بما سمي “ثورة الأرز” والتي قامت بشكل ردة فعل شعبية عفوية عارمة بعد عملية اغتيال الرئيس الحريري, وتنفيذاً للقرارات الدولية ذات الصلة, ولا سيما القرار 1559, عاد واستلم “حزب الله” مقاليد السلطة على كامل الأراضي اللبنانية بعد سقوط الحاجز الأساسي أمام هذه الهيمنة بغياب الرئيس الحريري أولاً, وثانياً باغتيال كل قادة ثورة الأرز لاحقاً, وقبل هذا كله, خلال السنوات التي سبقت, بسط “حزب الله” وإحكامه هيمنته الكاملة على الجنوب اللبناني بعد أن تمكن من إخراج الاحتلال الإسرائيلي, مغيِّباً ومستبعِداً كل الأحزاب والقوى الأخرى والتي كان لها وقعها في الجنوب اللبناني, ومنها تلك العائدة للإمام موسى الصدر, حيث إن هناك من يرى علاقة بين مؤامرة تغييبه وبين إطباق “حزب الله” على جنوب لبنان.. والله أعلم”.
وفي التسلسل التاريخي اللاحق, وبعد حرب يوليو 2006 التي أفسحت إسرائيل في نهايتها ل¯”حزب الله” مجال الهيمنة على لبنان, عادت لتسمع من جديد عبارة “الشرق الأوسط الجديد” بعد أن وصلت في عز الحصار الإسرائيلي للبنان إلى أوجها في تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس, يوم قالت بحضور أولمرت ووسائل الإعلام العالمية إن “مشروعاً لخلق شرق أوسط جديد انطلق من لبنان”.
إن ما نراه اليوم حاصلاً في منطقة الشرق الأوسط, بدءاً بالعراق, مروراً بسورية ووصولاً إلى لبنان, يفسر ويعطي أجوبة لجملة التساؤلات التي رافقت حصول كل الأحداث الماضية, التي بدأت بحروب الخليج الثلاث وانتهت بهيمنة إيران على العراق, ناهيك باحتلال لبنان على مدى ثلاثة عقود من قبل الجيش السوري, وتمكين “حزب الله” من الهيمنة الكاملة عليه بعد انسحابه. ما نراه اليوم بات يكشف خفايا كل هذا الماضي ومسبباته, من ناحية كونه بداية هذا المسلسل الجهنمي القاضي بتنفيذ هذه الخريطة المرسومة من حينها والموضوعة في أدراج البيت الأبيض.
وتكمن المفارقة اليوم في المرحلة الجديدة, أي في تبادل الأدوار في هذا المسلسل الأميركي الطويل, فإذا كانت إيران في بداية المسلسل تمتلك حصرية الدور الأول والرئيس, فإن للتنظيمات السنية المتطرفة اليوم الريادة في هذه المسرحية التفتيتية لمنطقة الشرق الأوسط, وبالتالي يأتي إطلاق قوى العنف السني الجديد المتمثل ب¯”داعش” وسواه من القوى المتطرفة والتي تذكر بتنظيم القاعدة, ضمن ستراتيجية هذه “الفوضى الخلاقة” نفسها, والتي كانت قد بدأت خلال العقود الماضية بحروب في منطقة الخليج واستكملت بأعمال عنف وإرهاب في سورية ولبنان, لذا, يمكن القول اليوم وتبعاً لما نشاهده من تنامي قوى التطرف السني, إن مرحلة المد الشيعي إلى أفول, وإن ملامح “الشرق الأوسط الجديد” التي كانت غامضة بعض الشيء -على الأقل لدى العرب- بدأت بالظهور, مفسرة كل ما طرحناه من أسئلة في السابق حول أسباب الحروب الماضية والتدخلات الخارجية.
أما المؤكد, فهو أن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتقسيمه, ابتداء من الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط, في لبنان وسورية والأناضول (في آسيا الصغرى), مروراً بشبه الجزيرة العربية والخليج العربي والعراق والهضبة الإيرانية, ووصولاً إلى مصر والسودان ودول شمال أفريقيا, يعكسان أهدافاً اقتصادية وستراتيجية وعسكرية واسعة, تشكل جزءاً من أجندة أنغلو-أميركية-إسرائيلية قديمة في المنطقة.
وللتذكير, فإن وزارة الدفاع الأميركية كانت أوكلت للمؤرخ الصهيوني-الأميركي برنار لويس العام 1983 وضع دراسة دستورية وخريطة طريق لتفكيك الدول العربية, بتحويلها دويلات مذهبية وعرقية وإتنية. وإذا كان الفارق التاريخي بين وضع هذه الخريطة وبين بدء تنفيذها, أي بين 1983 و2014, ما يُقارب الثلاثة عقود, فيمكن اعتبار الفترة السابقة التي نشأت فيها الجمهورية الإسلامية سنة 1979 (بعد الإطاحة بحكم شاه إيران والإتيان بروح الله الخميني من فرنسا بواسطة أجهزة المخابرات الأنجلو-ساكسونية ودعمها) مرحلةً تمهيديةً لتطبيق خارطة الشرق الأوسط الجديد التي رسمها برنارد لويس, ويتبين اليوم بوضوح كم كان لإيران اليد الطولى التنفيذية فيها, قبل أن تتراجع حالياً أمام قوات المد السني المعروفة ب¯”داعش”, والتي هدفها استكمال الدور التفتيتي الإيراني لمصلحة المطامع الأميركية الصهيونية المشتركة على صعيد الشرق الأوسط.

* كاتبة لبنانية

Print Friendly