أحصنة طروادة تتساقط في لبنان

0 235

أحمد عبد العزيز الجارالله

أسقطت الانتفاضة اللبنانية كل الأقنعة التي تخفَّى خلفها تحالف السلطة طوال الفترة الماضية، وبات كل شيء مكشوفاً، إذ لم يعد هناك مستور في الشأنين العام والخاص السياسيين، لا سيما بعدما وقع المحظور بين الطغمة التي اختارت تعيين من تصورت قدرتها على التحكم به، وتسييره كما تشاء، لتأليف حكومة أقنعة ومهرجين هي أبعد ما تكون عن الوزراء الاختصاصيين المستقلين الذين يطالب بهم المنتفضون منذ 96 يوما.
فالسلطة الممسكة بالبلد تريد حكومة على صورتها ومثالها، لذلك لم تتوقع أن يكون حسان دياب مخالفا لتوقعاتها، فوقعت في الفخ الذي نصبته للانتفاضة كي تجهضها، وعندما جد الجد وبدأت عملية التأليف تأخذ طريقها الى النور، اختلف اللصوص على تقاسم غنيمة وزراء اللون الواحد.
في المقابل، ومنذ استقالت حكومة سعد الحريري الى اليوم، لا يزال الثوار يطالبون بحكومة مستقلة من اختصاصيين مشهود لهم، تعمل على وضع خطة مالية وتجري انتخابات نيابية مبكرة تعيد إنتاج السلطة وفقا للمعطيات التي استجدت بعد 17 أكتوبر الماضي.
بدلا من كل هذا، لجأت السلطة الى التمادي في تجاهل المطالب الشعبية، لذا فبعد ثلاثة أشهر من المطالبات الهادئة والتظاهرات السلمية عيل صبر الناس، وبدلا من الركون الى العقل والمنطق رأى رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الهروب الى الأمام وإعطاء الأمر للقوى الأمنية والعسكرية بقمع الانتفاضة بعنف مبالغ فيه، حيث لجأت قوات مكافحة الشغب الى إطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي على المتظاهرين مباشرة، ولم تحترم حتى أماكن العبادة، إذ لاحقت الثوار حتى المساجد في وسط بيروت.
لا شك أن هذا أمر ينطوي على مخاطر كبيرة، فهو أشبه بإشعال فتيل برميل بارود في حقل ألغام زرعته ولا تزال منذ 30 عاماً طبقة سياسية وقحة بالفساد والهدر والنهب والاستهتار بالإرادة الشعبية، والاحتيال السياسي والتجويع.
طوال العقود الثلاثة الماضية عملت هذه الطبقة على تقاسم المغانم في ظل حماية سلاح ميليشياوي غير شرعي، هو سلاح «حزب الله» كانت تخيف به اللبنانيين تارة، وتوظفه لمصلحتها طورا، فيما الحقيقة أن الحزب وأمينه العام ليسا أكثر من مشاركين في طبخ السم، وها هم اليوم يذوقونه بعدما بدأت ما يسميه حسن نصرالله «البيئة الحاضنة للمقاومة» تخرج عليه، معلنة معارضتها لمواقفه ومخططاته.
لقد فشلت طوال الفترة الماضية محاولات القمع المستتر التي مارسها الحزب، سعيا الى إجهاض الانتفاضة عبر حرفها عن مسارها وإدخالها نفق الفتنة الطائفية، ودفعه بمناصريه الى مهاجمة المحتجين والهتاف «شيعة… شيعة… شيعة»، لتصوير الأمر كأنه خلاف مذهبي، غير أن هؤلاء أنفسهم اكتشفوا الحقيقة بعدما طفح كيلهم، فيما الجوع ينهشهم، كبقية اللبنانيين.
ربما تكون السلمية والحضارية التي تعاطى بها الشعب اللبناني في الأشهر الثلاثة الماضية مع السلطة قد أزعجت طبقة لا تفهم إلا لغة القوة والقمع، على غرار ما هو سائد في إيران والعراق، فحاولت استنساخ الأسلوب الإيراني الذي كان قد لوّح به حسن نصرالله أكثر من مرة، ولو بطريقة غير مباشرة.
لقد فات هؤلاء أن الشعب اللبناني خرج ثائراً ولن يعود إلا بعد تحقيق مطالبه التي أعلنها منذ البدء، وأهمها كما يقول اللبنانيون «كلن يعني كلن»، عندها لا عزاء لسلطة السلاح الميليشياوي الإيراني التي تحمي الفاسدين والمفسدين، لأن زمن أحصنة طروادة قد شارف على الانتهاء.

You might also like