أحمد الخليل: المثقف العربي مشغول بالبقاء على قيد الحياة شاعر وقاص سوري همه المرور بسلام بين حقول الألغام

0

القاهرة – أحمد بدر نصار :

أكد الشاعر والقاص السوري أحمد الخليل أن الغربة قطعة من الألم المستمر وفقدان للتوازن الروحي، ويصبح الحنين شبحا يطارد المغترب من حين لآخر. وعن قلة النشر قال: إن متطلبات العيش أجبرته ألا يفكر في النشر خلال 24 سنة، لافتا الى أن الشعر العربي والشعراء في المنافي ودول اللجوء مرهونون بالمصادفات والاعيب المترجمين والتسويق،وكثيرا ما يحالف الحظ كاتبا أو شاعرا في خطواته الاولى من خلال منحة ادبية لمؤسسة معروفة ومدعومة من الاتحاد الاوروبي، وكشف عن الإشكاليات التي واجهته وتواجهه في الغربة.
حدثنا عن بداية مسيرتك الادبية؟
كانت لدي محاولات خجولة في الكتابة الشعرية والقصصية في مرحلة المراهقة وتحديدا في المرحلة الثانوية، لكن هذه المحاولات كما أراها الآن كانت ساذجة وهي مجرد محاولات أولى للتعبير عن الحب الاول، أي هي نصوص وجدانية لا يمكن تصنيفها ضمن نوع أدبي محدد.
وبعد اعتقالي من قبل أجهزة الأمن السورية،وكنت حينها في التاسعة عشرة من عمري،بعد خمسة أشهر من تسجيلي في كلية الحقوق بجامعة دمشق،حيث تعرضت لمرحلة عصيبة ونوعية كشاب في مقتبل العمر، وهي تجربة تؤثر بشكل كبير في التركيبة النفسية والعقلية والجسدية للانسان.ومن حسن حظنا ربما أنه تم وضعنا في الجناح السياسي ضمن سجن دمشق المدني، فبعد انتهـاء التحقـــيق في فـــــــرع الأمـــــن تم ترحيلنا الى السجن المدني.
أقــــول لحسن الحظ كان في السجن مكتبة، واستطعنا الحصول على فهرس الكتب،وكل فترة نرسل قائمة بالكتب التي نود قراءتها، كنا متعطشين للقراءة، خصوصا أننا مسجونون عرفيا، أي لا أحد منا يعرف متى يخرج من السجن، لذلك كنا نحارب جمود الزمن بالقراءة، وهذا ربما كان الجانب الوحيد الايجابي الوحيد في فترة الاعتقال التي امتدت لسبع سنوات. القراءة اكسبتنا معارف متعددة في الآداب والسياسة والفكر.
هذا غير التعرف على نماذج بشرية متعددة في المعتقل وعلى تيارات سياسية متنوعة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار.
بعد سنوات من اعتقالنا اقترح مجموعة من الاصدقاء اجراء مسابقة للقصة القصيرة في السجن،وتشكلت لجنة تحكيم من 11 عضوا بينهم شعراء وصحافيون وفنانون وكتاب مثل (الكاتب والطبيب راتب شعبو رئيسا للجنة، والفنان عبد الحكيم قطيفان،والصحافي الراحل رضا حداد وعبد المجيد ) وتقدم للمسابقة ستة من المعتقلين،وعندما أعلنت النتائج نالت قصتي الجائزة الاولى وهي مئة ليرة سورية انذاك أي دولاران أميركيان، وكتب الصديق راتب على المئة ليرة أنها جائزة مسابقة القصة القصيرة في سجن عدرا،والقصة كانت بعنوان (ساحة الاعدام ) والتي عنونت بها فيما بعد مجموعتي القصصية.
لماذا أنت مقل بالنشر؟
قلة النشر سببها الركض وراء لقمة العيش، فبعد خروجي من السجن تابعت دراستي،وتنقلت بين عدد من الأعمال المجهدة، معمل نسيج،ثم معمل بلاستيك، وبائع دخان،وعملت في جلي البلاط،وحارسا ليليا في شركة، وأخيرا استقر بي الحال في الصحافة الخليجية “الاتحاد “الاماراتية و»السياسة “الكويتية و»الخليج” والصحافة اللبنانية “الكفاح العربي» و»السفير»ثم جاءت المواقع الالكترونية. وكتبت الريبورتاج الصحافي والتحقيق الفني والثقافي والنقد المسرحي والسينمائي وعرض الكتب،والحوارات الفنية والثقافية والمتابعات النقدية للدراما التلفزيونية. وقسم من عملي في الصحافة كان يخضع لمتطابات السوق والمنابر وليس لرغباتي، وهذا الامر أبعدني عن الكتابة الادبية،وبقيت مسودات كتابي القصة والشعر في الادراج حتى بداية العام 2015 حيث أجبرتني ظروف الحرب على الجلوس ومراجعة ما كتبت وجمع كل شيء في كتابين صدرا بنفس العام،وهما يوثقان لتجربتي في السجن والحياة بعد خروجي نهاية العام 1991،فمتطلبات العيش اجبرتني ألا أفكر بالنشر خلال 24 عاما.
ما سر تعلقك بالمسرح؟
أحببت المسرح جدا وسمحت لي الفرصة أثناء السجن بقراءة مؤلفات سعدالله ونوس وممدوح عدوان والمسرح اليوناني ومؤلفات تشيخوف، وسلسلة المسرح المهمة التي كانت تصدرها الكويت. وأذكر أن أول الأمكنة التي زرتها بعد الافراج عني كانت مسرح القباني ومســرح الحمراء بدمشق، وأول عرض شاهدته كان مشروع امتحان نصفي لطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بعنوان “كاسبار» للمخرج وليد قوتلي 1992. وشاءت الظروف فيما بعد أن أعمل في مديرية المسارح والموسيقا كرئيس للمكتب الصحافي.
ومنذ بداية العام 1992 نادرا ما مر عرض مسرحي من دون مشاهدته،فالمسرح بالنسبة لي فعل مواز للحياة،بل انه الحياة بشكلها المكثف على الخشبة.
كيف ترى المسرح العربي الآن؟ وهل من الممكن عودته كما كان؟
المسرح العربي، والسوري خصوصا،كشأن ثقافي تنويري شأنه شأن باقي جوانب الحياة يخضع للظروف السياسية والاقتصادية، ورغم ذلك مازال المسرح يصارع بفعل المسرحيين عشاق المسرح لابقاء جذوة الخشبة متقدة،والمسرح كما أعتقد في كل دول العالم تقريبا في حالة تراجع بفعل الميديا الحديثة وقنوات التواصل الاجتماعي المهيمنة على المشهد.
في كتابك “المسرح يهزم الحرب» نشرت مجموعة من المقالات حول المسرح في ظل الحرب،كيف انتصر المسرح على الحرب ؟
كتابي تحية لكل المسرحيين السوريين الذين استطاعوا ابقاء انوار الخشبات مشتعلة رغم الحرب المدمرة، حيث شهدت دمشق ورغم المخاطر والقذائف والخوف وحتى مقتل عاملين في المسرح وهم قادمون الى البروفات، عشرات العروض المسرحية خلال سني الحرب، وقد وثقت مجموعة كبيرة من هذه العروض بين مارس 2011 مارس 2015 وصدر الكتاب عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة. المسرح نقيض الحرب والموت،انه يرفع من شأن الحياة والجمال والقيم الانسانية.
حدثنا عن ديوانك “مسكون بفقدها “.
مسكون بفقدها مجموعة نصوص تركز على غياب المرأة، هذا الغياب الجسدي والروحي يحولها لمركز للحياة وأساس لها، فالسجين تتصحر روحه من دون رائحة الانثى،وتتحجر عيناه ويموت بريقهما من دون عطر المرأة المنساب أمام ناظريه.كتاب مسكون بفقدها،هو انتظار ممض ومؤلم لامرأة حرون لم تأت قط. والكتاب هواجس ذاتية لا علاقة لها بالوطن ولا بالشعارات السياسة الزائفة، انها عن الانسان الفرد ومعاناته.
هل تزيد الغربة من معاناة الكاتب حيث أن العودة للوطن غير متاحة؟
الغربة هي فقدان للتوازن الروحي،خصوصا أن الانسان الذي أجبرته الحرب والخوف من الموت على مغادرة بلده يصبح أسير ذاكرته،فلا هو يستطيع الانطلاق مجددا في تربة غريبة ولا العودة الى تربته الاصلية التي جرفتها سيول الحرب،فأصبحت موطنا للجثث،لذلك أنا في ألمانيا مستغرق بعملي وبمحاولة تعلم اللغة الجديدة قتلا للوقت والهروب من الحنين القاتل.
قلت إن المثقف العربي لم يكن فاعلا كما يجب،لماذا ؟ وكيف يكون فاعلا؟
نحن دائما نجلد المثقف العربي ونطلب منه أن يكون “سوبرمان» المثقف بالنهاية ابن ظروفه السياسية والاقتصادية والنفسية،وهو محاصر بمنظومة الاستبداد السياسي والديني والاجتماعي، لذلك لم يتمكن المثقفون العرب من تشكيل نخب كما في الغرب تؤثر في السياسات المختلفة وتوجه المجتمع وتنتج منظومة قيم انسانية جديدة.المثقف العربي مشغول في محاولة البقاء على قيد الحياة والمرور بسلام بين مختلف حقول الالغام.
“ساحة الإعدام ” مجموعتك القصصية الأولى حاولت ان تنتصر للشعر على حساب الماديات، ولكن المعركة كانت لصالح الماديات.. لماذا لم يعد للشعر قيمته؟
هي مجموعة قصصية هدفها كشف ما يخلفه الخوف والاستبداد من انكسارات وهزائم،فحتى الحب لا يمكن ان يعيش مع الخوف.المجموعة تتحدث عن حالات انسانية متعددة تصطدم دائما بالهزيمة،ودائما ما ينتهي الحلم بصفعة قاسية من واقع مؤلم.
في قصتك “امراة من برج الثور ” حاولت ان تكشف المعاناة التي تعيشها المرأة العربية بسبب التقاليد والأعراف،هل مازالت المرأة العربية تواجه هذه التحديات ؟
قصة واقعية ومازالت هذه المرأة التي تحدثت عنها في القصة ترافقني في أحلامي، فالمصير لشخصيات القصة محكوم بالزمن الخطأ الذي التقىيا به هذا الشاب وهذه المرأة،اذا بالنسبة لي هي المرأة المشتهاة جسدا وروحا،ولكن هذا المشتهى محكوم بمنظومة أخلاقية ودينية تجعل الحب يعيش حياته السرية، لذلك يبقى البوح مخاتلا ويستعين باللغة الشاعرية والمجازية للتعبير عن الالم الذي تعاني منه الروح.
كيف ترى الشعر العربي في الغرب؟
الشعر العربي والشعراء في المنافي ودول اللجوء مرهونون بالمصادفات والاعيب المترجمين وكيفية التسويق،وكثيرا ما يحالف الحظ كاتبا أو شاعرا في خطواته الاولى من خلال منحة ادبية لمؤسسة معروفة ومدعومة من الاتحاد الاوروبي، أو بالتعرف الى مترجم تربطه علاقات جيدة بالمنابر والمؤسسات الثقافية،وهذه الامور هي نفسها التي يعاني منها الكاتب في بلده أيضا.
هل ترى تقصيرا من النقاد العرب تجاه أعمالك ؟
كتبي لم يتناولها أحد من النقاد ولم يتم التسويق لها،حيث طبعتها على عجل ثم سافرت الى ألمانيا. وكتابي “المسرح يهزم الحرب» لم أر أي مقال عنه أبدا.وهمي الاول كان توثيق تجربتي خلال فترة الشباب الاول.وكتاب “المسرح” يرصد الحركة المسرحية السورية خلال الحرب،ولا علاقة له بالكتابة الادبية وانما هو من ضمن عملي الاعلامي فقط.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 + 17 =