أحمد العمري: الكتابة ليست نزهة… إنها زحف على الزجاج المطحون كاتب عراقي يستثمر قلمه" في الحفاظ على الدين من الخرافات"

0 50

العراق ضحية مشروع إقليمي كبير استثمر طائفيًا ليحقق انتشاره وتمدده

القاهرة – أمل زيادة :

كاتب وطبيب أسنان ومذيع، عراقي الجنسية، يحمل على عاتقه مسؤولية تسليط الضوء على صحيح الدين ببساطة وبأمانة من دون انتظار لخليفة أو مخلص. لا يخشى الكتابة في الدين لأنه يعتبرها رسالة سامية، والقلم معجزة تستطيع هدم الخرافات والعادات والمفاهيم المتوارثة والمنسوبة للدين، يرى في السيرة النبوية والصحابة رضوان الله عليهم نماذج عادلة ومشرفة تستحق أن تجسد على الورق كي تتاح بحيادية للأجيال الجديدة.
حول كتابة “السيرة مستمرة”وأهم القضايا التي تطرق إليها، وكذلك كتابه “البوصلة القرآنية”، وجديده، التقت”السياسة” الكاتب العراقي الدكتور أحمد خيري العمري ، ومعه كان هذا الحوار:
لماذا اخترت الخط الديني للكتابة عنه؟
لا أحد يختار ما يكتب عنه بطريقة الانتقاء، بل نكتب عما نهتم ونفكر به، ومن هنا تأتي الكتابة في الفكر الديني على رأس أولوياتي، وفي رأيي أن الفهم الخاطئ للدين أدى إلى الكثير مما نحن فيه من مشكلات اجتماعية، بصورة تتطلب تصحيح الفهم للدين حتى يمكننا الخروج من هذا الواقع.
ما الجديد الذي عرضته في كتابك “السيرة مستمرة”؟
كتابي، محاولة لرؤية السيرة النبوية من داخلها وضمن سياقاتها الداخلية، أحاول أن أضع القارئ في عمق المشهد وليس بمواجهته، كما أحاول النظر إلى الأحداث من خلال رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك محاولة لمتابعة أحداث نزول سور القرآن الكريم، تباعًا ومتابعة أثرها وتفاعل الرسول معها، ومساهمتها في تشكيل رؤيته ورؤية المسلمين للعالم من حولهم، بمعنى أبسط، هي محاولة لتخليص ما تكرس في أذهاننا عن السيرة، من قصص موضوعة تحوي خرافات ومبالغات لا يقبلها عقل ولم تصح بسند.
من واقع كتاباتك، إلى متى سيظل من التزموا بأداء العبادات لا يتغيرون؟
طالما كانت نظرتنا إلى العبادات على أنها تؤدى بلا هدف (فرض وكفى) من دون محاولة لفهم الحكمة من أدائها والهدف من فرضها، أو من باب أنها “غسالة ذنوب” تزيح ما يقترف من آثام ثم يعاد اقترافها من جديد بنفس الهمة، فإن التغيير لن يحدث لأنه ليس هدفًا أصلًا، فالتغيير عملية متواصلة ومتراكمة ويحدث فيها ارتدادات وترتبط بالظروف الشخصية لكل فرد، ولكن الشعائر بما تقدمه من مجموعة مفاهيم يتم التذكير بها يوميًا، يمكنها أن تكون أداة مساعدة في هذا التغيير.
هل نحن بحاجة إلى “خليفة” كي يدير أمور حياتنا؟
نحن في حاجة إلى التخلص من هذه الفكرة تحديدًا لكي نحسن إدارة أمور حياتنا، علينا أن نعيد تنصيب أنفسنا في موضع المسؤولية أولًا، وأن نتجاوز فكرة “المُخلص” الذي عليه أن يقوم بكل شيء ويملأ الأرض عدلًا وسرورًا، وأن نعيد قراءة قيم الاستخلاف قرآنيا، ونتحسس تلك الهوة الشاسعة بينها وبين ما علق في أذهاننا من مفهوم “الخلافة” بمعناها السياسي، الذي شوش على حقيقة قيم الاستخلاف في القرآن، بل وقدم في بعض الأحيان نموذجًا سلبيًا معاكسًا لها، فـ ” الخليفة” مجرد شعار يداعب عواطف النوستالجيا المؤدلجة.

صورة مثالية
ما ردك على اتهام البعض لك بأنك تقدم صورة مثالية جدًا عن “الدين”؟
لا أفهم هذه التهمة تحديدًا، لكني أحاول تقديم فهم “واقعية الدين”، لإثبات أنه قابل للتطبيق في الحياة اليومية التي يعيشها الأفراد بمعزل عن الشعارات والتأزم الأيديولوجي. هذا الفهم برأيي هو الفهم “الأصلي” للدين، الذي استطاع أن يغير الواقع في الجزيرة العربية والعالم أجمع، وواقعيته كانت من أسباب نجاحه في هذا التغيير، بعد ذلك حدث تراكم لمفاهيم مختلفة له حرفت جزءا كبيرا من الإسلام عن واقعيته في نواح كثيرة، وإذا كانت الواقعية هي المثالية في الاتهام الموجه لي، فأنا لا أرد على هذا الاتهام، بل أحاول إثباته.
قدمت برنامج “7 دقائق لتغيير العالم”، فما الذي ينقصنا حقًا لتغيير العالم؟
بالنسبة لي، الوعي بمشكلات هذا العالم هو أول خطوة في تغييره، حتمًا يتطلب التغيير ما هو أكثر من ذلك، لكن كل ما يلي ذلك من خطوات يبنى على الوعي بالمشكلة وجذورها. ولا ننكر أنه سيكون هناك محاربة شديدة لأي محاولة لهذا التغيير من بعض المستفيدين من الوضع الحالي للعالم، بل وحتى من قِبل غير المستفيدين، لكن المتعايشين مع الوضع لا يعتقدون بإمكانية وجود ما هو أفضل منه.
هل فعلًا يحتاج التغيير إلى 7 دقائق؟
تغيير العالم يتطلب حتمًا أكثر بكثير من سبع دقائق، لكن سبع دقائق في اليوم، نقضيها في التفكير بمشكلات هذا العالم وأسبابها، قد تساهم ولو بنسبة بسيطة في التقريب من هدف التغيير.
لماذا انتشر “الإلحاد” بهذه الصورة غير المسبوقة في أممنا العربية؟
مثل كل الظواهر الاجتماعية، لا يوجد سبب واحد يمكن أن يكون هو المسؤول عن ذلك، بل هناك جملة أسباب والتي ظهرت نتيجة “الربيع العربي” في البلاد، مثل انتشار “الظلم، المجازر، والتعذيب الوحشي”، التي أفرزت الكثيرمن التساؤلات من قِبل الشباب والتي لم يجد إجابة عنها، ما كان سببًا في اتجاههم إلى الإلحاد.
الإلحاد قرار أم إحباط أم ضعف عقيدة؟
لا يوجد توصيف واحد محدد لحالات الإلحاد، لكن في الكثير من الأحيان يكون إحباطا، يؤدي إلى ضعف الإيمان، وينتهي بقرار إعلان الإلحاد ولو بمصارحة الذات.

دور المؤسسات الدينية
كيف ترى دور المؤسسات الدينية لكي تمثل الدين الصحيح، كما ورد في كتابك “البوصلة القرآنية”؟
لست في موضع يسمح لي أن أوجه المؤسسات الدينية إلى الدور الذي يجب أن تقوم به، لكن بشكل عام أعتقد أن علينا أن نحدد أولا مالمقصود بـ “الدين الصحيح” قبل أن نعرف كيف نصل إلى تمثيله سواء عبر المؤسسات أو عبر الأفراد. وفي رأيي الشخصي أن أهم دور يمكن القيام به هو في “الاستئصال والتأصيل”، بمعنى “استئصال” ما علق بالمفاهيم الدينية من سلبيات وخرافات، و”تأصيل” القيم الإيجابية والعقلانية، وهذا الدور ليس سهلًا على الكثير من المؤسسات الدينية، لأن بعضها يروج لقيم أراها شخصيًا سلبية، بينما تراها بعض هذه المؤسسات أساسية، ولا تقبل المساس بها.
لماذا اخترت عمر رضي الله عنه للكتابة عنه؟
شخصية عمر بن الخطاب ومنجزاته لا تترك الكثير من الخيارات، في الحقيقة اختياره بالنسبة لي كان تحصيل حاصل، فنمط شخصيته يمتلك الكثير من الجاذبية لأي كاتب، ووعيه العميق واستشرافه للمستقبل، وانتقاله الحاد من طرف إلى طرف معاكس، عصبيته أحيانًا وانفعاله أحيانًا أخرى، شدته ورقته، مجموعة من الصفات الإنسانية التي تكون إنسانا حقيقيا نكاد نشعر به من لحم ودم، وفي الوقت نفسه، عمر تمكن من تحقيق سجل منجزات حقيقية على المستوى الواقعي، منجزات ضخمة لا نزال ننظر لها بعين الغبطة ونحن نقارن بأوضاعنا المعاصرة، كل هذا يجعله شخصا ناجحا في تحقيق ما آمن به إلى الحد الأقصى والأمثل، وهذا بحد ذاته يشكل نقطة مهمة جدًا في نظرتنا إلى شخص عمر بن الخطاب. أمر آخر مهم في هذه النظرة، هو أن كل الفتن التي عصفت بالأمة وفرقتها، حدثت بعد غيابه رضي الله عنه، وهذا الأمر جعله في نظر كثيرين يمثل المرحلة الذهبية الحقيقية بالنسبة لتاريخ الأمة، كما أني شخصيا أعتقد أن الطريقة العُمرية في فهم القرآن وفقهه المقاصدي المنضبط بروح النص أكثر ما نحتاج استرجاعه في عصرنا الحالي، لكل هذا، وللمزيد أيضًا، تشكل شخصية عمر إلهاما كبيرًا للكثيرين، وأنا منهم.
ما الفقه المقاصدي؟
بعيدًا عن التعريفات السائدة التي يمكن البحث عنها بواسطة محركات البحث، الفقه المقاصدي هو الذي يجمع بين الصورة الكبيرة وتفاصيلها الصغيرة، بالضبط هو الذي يقرأ التفاصيل الصغيرة ويفهمها بناء على الصورة الكبيرة، الصورة الكبيرة هي المقاصد العامة الكبرى للدين، والتفاصيل تضم الكثير من التشريعات والنصوص الدينية التي ستفهم على نحو أفضل وأعمق لو نظر إليها من خلال منظار الصورة الكبيرة. الكثيرون يعتقدون أن هذا الفهم المقاصدي قد يكون مدخلا لتعطيل النصوص الشرعية، وهذا تخوف صحيح لأن البعض يستخدمه لأجل ذلك فعلا، لكن سوء استخدام الكهرباء لا يبرر عدم استخدامها مطلقا، بل يجب العمل على تقديم تأصيل منضبط لهذا الفهم.
هل قابلتك معوقات أثناء مشوار الكتابة؟
قبل أن أتحدث عن المعوقات، أحب أن أتحدث عن كلمة “مشوار”، برأيي الشخصي، الكتابة ليست مشوارًا على الإطلاق، ليس من مشوار في الكتابة، فالكلمة هنا توحي بسهولة الرحلة، كما لو كانت نزهة في حديقة عامة ذات صباح ربيعي، الكتابة أبعد ما تكون عن ذلك، هي أقرب إلى الزحف على الزجاج المطحون، أو كما قال هيمنغواي: هي أصعب مهنة، بعد مصارعة التماسيح، ولعلها الأصعب قاطبة عندما تكون مصارعة ديناصورات. بعد هذا التوضيح، نجد أن وجود المعوقات هو الأمر الطبيعي أثناء عملية الكتابة، علما أن كلمة معوقات قد تبدو مخففة بالنسبة لواقع ما يحدث أحيانا “حقول ألغام” هو الوصف المناسب. وأفضل من وصف ما يتعرض له الكاتب من معوقات هو المسيري، الذي تحدث عن ذئاب ثلاثة تتربص بالكاتب، الذئب الأول: هو المال، الحاجة التي قد تدفع الكاتب إلى أن ينتج ما يحقق له المال، من دون المعايير التي يؤمن بها حقا، الذئب الثاني: هو الشهرة، الرغبة الداخلية للكاتب أن يكون ما يقدمه معروفًا رغم أن ذلك قد لا يتناسب مع معايير التيار العام. أما الذئب الثالث: فهو ما يسميه المسيري “الذئب المعلوماتي الهيغلي” أو ربما “النهم المعرفي” وهو رغبة الكاتب بالكمال المستحيل الذي يجعله يرغب دومًا في الأفضل على نحو يعيق عملية انتاج أي شيء. أضيف من عندي ذئبا رابعًا: لم يعاصره المسيري، وهو ذئب قراء وسائل التواصل الاجتماعي الذين يعاملون الكاتب كما لو كان مذيعا في برنامج “ما يطلبه المستمعون”، ويطلبون أن ينتج ما يؤكد لهم أنهم على صواب وأن أفكارهم هي ما يجب أن يؤمن به الجميع.
ما رأيك فيما وصل إليه العراق؟
لا يمكن رؤية ما وصل إليه بلدي العراق من دون النظر إلى المنطقة ككل، نعم في العراق مشكلات في البنية لا يمكن تجاهلها، وفي بلدان أخرى أيضًا، لكن ما كان يمكن لهذه المشكلات أن تفجر البنية العراقية لولا وجود مشروع أقليمي كبير استثمر طائفيًا ليحقق انتشاره وتمدده.
ما السبل المتاحًة لإنقاذ الوطن؟
الموضوع متداخل ومعقد جدًا، لا يمكنني أن أرد على هذا السؤال، ولعل السؤال الأنسب هو: هل يمكن الإنقاذ؟ ونأمل أن يكون الجواب: نعم.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.