أحوال الصحابة مع التدبر تدل على قوة تأثير القرآن بنفوسهم مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن 18

0 12

القاهرة: محمد إسماعيل
يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.
يقول الدكتور محمد بن عبد الجواد محمد الصاوي في كتاب”نماذج تدبر القرآن الكريم عند السلف الصالح”: لقد كان للسلف الصالح أحوال ومواقف مشرفة، تدل على قوة تأثير القرآن في نفوسهم، وعلى عنايتهم بجانب التدبر عناية فائقة، وليس هذا بغريب عنهم، إذ هم ينهلون من المورد العذب، من هدي القدوة الأكرم صلي الله علىه وسلم.
وقد ذكر الله -عز وجل- لنا في كتابه الكريم أحوال الصحابة الكرام مع تدبر القرآن وآياته، من وجل القلوب ودمع العين واقشعرار الجلود، فقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى؟ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)، (سورة المائدة الآية: 83)، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، (سورة الأنفال الآية: 2). وقال: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)، (سورة الإسراء الآية: 109)، وقال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)، (سورة مريم الآية: 58)، وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ)، (سورة الزمر الآية: 23).
وعن عبد الله بن عروة بن الزبير، قال: قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سمعوا القرآن قالت: تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله.
وقال ابن حجر في كتاب”فتح الباري” والبيهقي في كتاب”دلائل النبوة”: نزل النبي صلى الله عليه وسلم بشعب فقال:”من رجل يكلؤنا الليلة؟” فقام رجلان: عمار بن ياسر، وعباد بن بشر، فقالا: نحن يا رسول الله نكلؤك، وجعلت الريح لا تسكن، وجلس الرجلان على فم الشعب، فقال أحدهما لصاحبه: أي الليل أحب إليك أن أكفيك أوله أو آخره قال: اكفني أوله، فنام عمار بن ياسر، وقام عباد يصلي، وأقبل عدو الله يطلب غرة، وقد سكنت الريح، فلما رأى سواده من قريب قال: يعلم الله أن هذا لربئة القوم، فعرق له سهما فوضعه فيه فانتزعه، ثم رماه آخر فانتزعه، ثم رماه الثالثة فوضعه به، فلما غلبه الدم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اجلس فقد أتيت، فجلس عمار بن ياسر، فلما رأى الأعرابي أن عمارا قد قام علم أنهم قد نذروا به فهرب، فقال عمار: يا أخي ما منعك أن توقظني به في أول سهم رماك به؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، وهي الكهف، وكرهت أن أقطعها حتي أفرغ منها، فلولا أني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلي الله علىه وسلم بحفظه ما انصرفت ولو أتي على نفسي.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن)، وعن عبد الله بن عمرو قال: لما نزلت: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، (سورة الزلزلة الآية: 1) بكي أبو بكر رضي الله عنه فقال النبي صلي الله علىه وسلم:”ما يبكيك يا أبا بكر، لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم، لخلق الله أمه من بعدكم يخطئون ويذنبون فيغفر لهم”، وقدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (هكذا كنا).

البكاء مع القرآن
ويروي إسماعيل بن محمد الأصفهاني في كتاب”سير السلف الصالحين”، عن نافع مولي ابن عمر قال: ما قرأ ابن عمر -رضي الله عنهما- هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى: (لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (سورة البقرة الآية: 284)، ثم يقول إن هذا الإحصاء شديد. وكان عبد الله بن رواحه رضي الله عنه واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكي فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأىتك تبكي فبكيت، قال إني ذكرت قول الله عز وجل: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، (سورة مريم الآية: 71)، فلا أدري أننجو منها أم لا؟.
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه (الصوت معه توجع)، وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، (سورة يوسف الآية: 86). ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه براهب، فوقف فنودي الراهب، فقيل له: هذا أمير المؤمنين، قال: فاطلع، فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكي، فقيل له: إنه نصراني، فقال: قد علمت، ولكني رحمته، ذكرت قول الله: (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً)، (سورة الغاشية الآيتان: 3-4)، فرحمت نصبه واجتهاده، وهو في النار، فذاك الذي أبكاني.
وجاء عن نافع أيضا قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)، (سورة الحديد الآية: 16)، بكى حتى يغلبه البكاء، وقال: (بلى يارب، بلى يا رب). وشرب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ماء باردا فبكى فاشتد بكاؤه فقيل: ما يبكيك؟ قال: (ذكرت آية في كتاب الله عز وجل: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)، (سورة سبأ الآية: 54)، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله عز وجل: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)، (سورة الأعراف الآية:50).

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.