أخبار السلف الصالح في تدبرهم للقرآن أثناء قيام الليل مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (20)

0 6

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم علي ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول الىه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق الى الحياة الطيبة والشفاء من العلل والأمراض والصلاح.
يذكر الدكتور محمد بن عبد الجواد محمد الصاوي في كتاب “نماذج تدبر القرآن الكريم عند السلف الصالح”، أن رجل قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من السحر: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، (سورة الإخلاص الآية: 1) يرددها لا يزيد عليها. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور فلما بلغ الى قوله تعالى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ)، (سورة الطور الآيات: 7-8)، قال عمر: (قسم ورب الكعبة حق)، ثم رجع إلى منزله فمرض شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. وقال ابن مليكة: صحبت ابن عباس من مكة الى المدينة، فكنا إذا نزلنا منزلا قام شطر الليل والناس نيام، ولقد رأيته ذات ليلة يقرأ قول الله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، (سورة ق الآية: 19)، فظل يكررها وينشج حتى طلع عليه الفجر.
ولما توفي عمرو بن عتبة بن فرقد دخل بعض أصحابه على أخته، فقال: أخبرينا عنه. فقالت: (قام ذات ليلة فاستفتح سورة (حم)، فلما أتي علي هذه الآية: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)، (سورة غافر الآية: 18)، فما جاوزها حتى أصبح)، وقام الربيع بن خثيم يصلى ذات ليلة، فمر بقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، (سورة الجاثية الآية 21)، فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية الى غيرها ببكاء شديد.
وروي أن ملكا كثير المال كانت له ابنة لم يكن له ولد غيرها، وكان يحبها حبا شديدا، وكان يلهيها بصنوف اللهو، فمكث كذلك زمانا، وكان الى جانب الملك عابد، فبينا هو ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، (سورة التحريم الآية: 6)، فسمعت الجارية قراءته فقالت لجواريها: كفوا. فلم يكفوا، وجعل العابد يردد الآية، والجارية تقول لهم: كفوا. فلم يكفوا، فوضعت يدها في جيبها فشقت ثيابها، فانطلقوا الى أبيها فأخبروه بالقصة، فأقبل الىها فقال: يا حبيبتي ما حالك منذ الليلة؟ ما يبكيك؟ وضمها الىه. فقالت: أسألك بالله يا أبه، لله عز وجل دار فيها نار وقودها الناس والحجارة؟ قال: نعم. قالت: وما يمنعك يا أبه أن تخبرني؟ والله لا أكلت طيبا ولا نمت علي لين حتى أعلم منزلي في الجنة أو النار؟.
وتفكر أحد السلف مرة في مثل من أمثال القرآن فلم يتبين له معناه فجعل يبكي، فسئل ما يبكيك؟ فقال: (إن الله عز وجل يقول: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، (سورة العنكبوت الآية: 43)، فلست من العالمين).

الخلاص من الهموم
وقال جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي في كتاب “صيد الخاطر”: (ضاق بي أمر أوجب غما لازما دائما، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه، فما رأيت طريقا للخلاص، فعرضت لي هذه الآية: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، (سورة الطلاق الآية: 2)، فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم، فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى، فوجدت المخرج).
وعن رجل من أهل مكة قال: (صلىت العشاء الآخرة في المسجد الحرام وجلست فيه طويلا، ثم انقلبت فأمر مما يلي الظلال التي تلي دار الندوة، فإذا أنا برجل قائم يصلى وهو يردد هذه الآية: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم)، (سورة الزخرف الآية: 80)، يرددها ويبكي، فمكثت ليلا طويلا أسمعه ثم انصرفت الى منزلي فنمت، حتى إذا كان آخر الليل أتيت المسجد فإذا أنا بالرجل قائما وهو يردد الآية: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم)، (سورة الزخرف الآية: 80)، ويبكي، حتى إذا قلت: قد طلع الفجر أو قرب طلوعه، قال: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)، (سورة الزخرف الآية: 80)، فجلست الى جنبه حتى صلىت معه الصبح، فالتفت فإذا أنا بسفيان الثوري. وقال إبراهيم بن أدهم: (لقيت عابد من العباد قيل إنه لا ينام الليل، فقلت له: لم لا تنام؟ فقال لي: منعتني عجائب القرآن أن أنام).
ويشير محمد بن أحمد الذهبي في كتاب “سير أعلام النبلاء”، الى أن أبا سليمان الداراني قال: (ما رأيت أحدا الخوف والخشوع أظهر على وجهه من الحسن بن حي، قام ليلة حتى أصبح بــ (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، (سورة النبأ الآية: 1)، يردد آية فغشي عليه، ثم عاد الىها، فغشي عليه، فلم يختمها حتى طلع الفجر).
وقال المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة فمررت بمالك بن أنس رضي الله عنه، فإذا أنا به قائم يصلى، فلما فرغ من: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، (سورة الفاتحة الآية: 2)، ابتدأ بــ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، (سورة التكاثر الآية: 1)، حتى بلغ قوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، فبكى بكاء طويلا وجعل يرددها ويبكي، وشغلني ما سمعت ورأيت منه عن حاجتي التي خرجت الىها، فلم أزل قائما وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر. وقام الإمام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، (سورة القمر الآية: 46)، ويبكي ويتضرع الى الفجر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.