أخطاء أطفالكم… أول درجات سلم النجاح دراسة علمية تثير جدلًا لأنها تنصح بإلقاء الأبناء في نار التجربة

0 387

القاهرة – منى سراج:

“لا تمنعوا أطفالكم من الخطأ” هذا ما خرجت به دراسة حديثة، أثارت اهتمام أطباء الأطفال وحركت مخاوف الأمهات، حيث طالبت بعدم منع الطفل من الخطأ وتركه للتجربة، مؤكدة بأن هذا المنع يؤدي إلى تراجع قدرات الدماغ لديه وضعف نموه، الدراسة جاءت بنتائج تخالف المتعارف عليه، بل وضعت الأمهات والآباء في موضع حيرة، وأثارت تساؤلاتهم: هل يمنح الطفل حق الخطأ؟ هل يترك ليلعب بالنار لكي يصبح أكثر ذكاء؟ هل الخطأ أن يعيش حياة من دون تجربة أم الخطأ أن لا يحاول خوض التجربة؟ هل يمكن شراء النجاح في الحياة له بحصالة من الأخطاء؟
عن هذه الدراسة، كيف يراها الخبراء، إلى أي مدى يمكن للأسرة أن تتعامل بها مع أطفالها، كان لـ” السياسة ” هذا التحقيق:

تقول د.إيمان جمال الدين استشارية علم نفس: الخطأ حق مكفول للطفل، يشاغب ونحن نوجهه، في جميع الأحوال ومهما كانت نوعية الأخطاء، يجب أن يكون العقاب بمحددات يراعى فيها سنه، ترتيبه بين إخوته، الظروف التي حدث فيها الخطأ، على أن لا يكون العقاب على إطلاقه، كل يعاقب على هواه، لكي لا نحد من تصرفات الطفل التلقائية وضبط المنظومة القيمية الخاصة به، ولكي لا يصاب بآثار التعزيز السلبي التي تتمثل في قيامه بأفعال سيئة تسبب له العقاب، مع الأخذ في الحسبان أن في عمر خمس سنوات يبدأ الطفل في استيعاب الخطأ والصواب بشكل مكتمل، هنا يجب على الأسرة أن تعزز عمله الجيد وتستجيب له بشكل إيجابي، هذه ليست ميزة تمنحها له أو امتيازا، بل حق من حقوقه. لافتة إلى أن الدراسات تؤكد دائما أن الطريق الصحيح لتربية الطفل هو تعزيز خروج الجانب الايجابي منه وإعطائه حق التوجيه بأسلوب سليم، وإن كانت معظم الأسر تفتقد أسس التربية الأسرية السليمة، بصورة جعلت هناك مـا يسمى بـ “أمهات بالصدفة” اللاتي لا يمتلكن معلومات وثقافة التوجيه، لا يستطعن ايجاد اتساق بينهن وبين الأب أو الأسرة ما ساهم في انتشار الطفل “المذبذب” الذي يرى العالم أمامه غير واضح، أب يستحسن خطأه ويضحك له، أم ترفضه وتعاقبه، فتحدث له “لخبطة” تجعله لا يستطيع التمييز بين الخطأ والصواب.
تتابع: ترك الطفل لتجربة الخطأ من دون قيود،أمر غير معقول، فلا يجب تركه لكي يضع يده في النار وإلا سيحرق، بل يفضل أن توضع أمامه الاحتياطات التي تناسب مدركات النمو اللغوي لديه خصوصا في فترة الطفولة المتوسطة، لأنه في هذه المرحلة يستوعب حصيلة لغويات كثيرة لكن من دون أن يفهم معناها أو لا يكون لها معنى في عقله، لافتة إلى أنه عندما تتناسب كمية المدركات مع مرحلته العمرية ويبدأ في إدراك الخطأ، هنا يأتي العقاب على أن يكون متساويا مع المرحلة السنية ونوع الخطأ وإلا سيؤدي ذلك إلى وقف نمو هذا العقل. مؤكدة بأن المشكلة ليست فقط في عدم خوض التجربة، لكن في النصائح المتعددة التي تصاحبها وتؤدي بالنهاية لتشتت الطفل وجعله شخصية مذبذبة، حيث لا ينصح بترك التجربة فقط، بل يسمع آراء مختلفة، إذا أراد مثلا أن يشرب الشاي مثلجا تنصحه والدته بأن يشربه ساخنا، ووالده فاترا، وأصدقاؤه دافئا، في النهاية يتوه بين كل ذلك.

مهارات الذكاء
يقول د.محمد السيد مبروك اختصاصي طب أطفال: نتائج الدراسة سليمة، في حالة كون الطفل صغيرا ومازال في مرحلة الاكتشاف ومعرفة كل شيء من حوله، لذلك لا يجب منعه من التجربة، منذ بداية تعمله الكلام و فعل الأشياء الصغيرة، طالما لا تعرضه للخطر، كي ينمو صحيا وتصبح لديه درجة من التجربة والذكاء، غير ذلك، ستختلف نتائج الدراسة من عمر لآخر، خصوصا أن الطفل في عمر خمس سنوات يبدأ مرحلة العناد،هنا يجب تعليمه الأشياء الصحيحة، لكن من دون عنف، وعلى الأهل أن يتبعوا معه أسلوب الترغيب وليس الترهيب مثل: سأكافئك لو فعلت كذا وليس، لن أكافئك لو لم تفعل كذا. مع ضرورة عدم ضربه أو نهره، حتى لو وصل الأمر أن يطلبوا منه عكس ما يريدونه، وذلك لمراعاة حالة عناده، مشيرا إلى أنه بعد هذه المرحلة العمرية تأتي مرحلة الأمر بفعل الثواب والنهي التام عن الخطأ، أما لو تم منعه قبل ذلك فستتراجع قدراته ويزداد لديه الخوف ويصبح عنده تراجع فكري وخوف من ممارسة التجارب الذكية، بل حتى من أداء الأفعال الصحيحة بسبب منع والديه فتقلل من قدراته.
يضيف: هناك أشياء كثيرة تتحكم في ذكاء الطفل، منها الذكاء الوراثي، كالأكل والشرب والنوم واللعب وبعض الأمور المجتمعية، أيضا الذكاء السلوكي أو المكتسب من التجارب، فعلى سبيل المثال، النوم مبكرا عامل أساسي من عوامل ذكاء الطفل لأن مادة “الليلاكتين” التي يفرزها المخ تساعد على الذكاء وعلى تتطور خلايا المخ، تفرز فقط من الساعة العاشرة مساء حتى الثانية بعد منتصف الليل، لذلك نجد الأطفال الذين ينامون في وقت متأخر من الليل، أقل ذكاء ممن ينامون مبكرا، كما أن الأكل الصحي مهم جدا، فمن يعاني من الأنيميا يصبح لديه تراجع في الذكاء، لافتا إلى أن التجربة لها نتيجة وإذا منع الطفل عنها، فهو لم ولن يشاهد النتيجة، سواء كانت خاطئة أو سليمة، بالتالي ستقل درجات ذكائه ونموه العقلي وليس الجسدي.

ليس تمردا
يؤكد د.نور أسامة محمد استشاري تعديل السلوك، بأن هناك كلمات تقال لأطفالنا مثل “عيب يا حبيبي، كخ يا بابا، هذا غلط” يجب إلغاؤها فورا من مفردات قاموس الأب والأم، لأنها تمنع أولادنا من التجربة وتساعد في تكوين شخصية غير شجاعة منعدمة الثقة في ذاتها، غير قادرة على اتخاذ قرار في الكبر، الطفل لابد أن يجرب، كل الأطفال والمراهقين في العالم لديهم فضول حاد للتجربة وهذا شيء صحي تماما، لأن أولادنا لن يتعلموا من غير تجربة، فالتعليم يأتي من خلال التجربة والخبرات التي يمر بها الطفل، فكم من رجال الآن كانوا في طفولتهم يحاولون لمس كوب الشاي الساخن، وضع أيديهم على الفرن أو بداخل الكهرباء، لم يكن أحد منهم حينها يفكر في الأضرار التي قد تحدث، بل كانوا يفكرون في التجربة بجرأة، لذلك يجب على الأب إذا شعر بأن ابنه لديه رغبة في أن يلمس كوب الشاي الساخن، من الخطأ أن يعنفه أو يقول له “لا” لأن الطفل سيختار الوقت الذي يغادر فيه الأب المكان ويجرب، ليس كنوع من أنواع العناد، لكن لأن لديه فضولا لتجربة كل شيء.
يضيف: الأطفال حتى سن 7 سنوات، لا يعرفون الفرق بين الخيال والواقع، ومن سن 10 -18 التي يطلق عليها فترة المراهقة والبلوغ إذا تم التعامل معهم بقسوة ورفض لطلبهم بأن يجربوا سيصل بهم الأمر إلى مرحلة التمرد. لافتا إلى أن كلمة “لا” ليست صحية، لأن الممنوع مرغوب، أيضاً الوعود التي لا تنفذ كوعد الأب بشراء جهاز ثمين لابنه وهو متأكد أنه لن يفي بوعده وهو ما يطلق عليه “الجرثومة الكلامية”، التي تفقد الابن ثقته بالأسرة، لذلك يجب السماح للطفل بالتجربة، فعلى سبيل المثال، إذا أراد أن يجرب لمس الفرن يسمح له حتى يشعر بالألم الخفيف، الذي لا يجعله يسعى لتجربة ذلك مجدداً في حالة عدم وجود الأب والأم، أما إذا أراد أن يجرب رياضة معينة، لا بد من موافقته خوض التجربة حتى يتحول لشخصية مسئولة لها كيان،كذلك الأمر إذا أراد خوض تجربة عاطفية. مؤكدا أن منع الطفل من التجربة يعد نوعا من أنواع القمع التي سوف تجعله انطوائيا أو خجولا أو شخصا لا يعرف كيف يتحمل المسؤولية، لذا يجب تركه لخوض التجارب تحت أنظارنا وتوجيهاتنا، عندما نشعر بالخطر عليه من تجربة معينة، لا بد أن نرسل له نصيحة في شكل قصة أو حدوتة توضح له خطورة تلك التجربة بشكل أسرع، بعكس المنع الذي يجعله يتمرد ويخوض التجربة بعيداً عن أعين أسرته.

ابتكار
تقول د. هبة عيسوي، أستاذة طب الأطفال: مخ الإنسان يولد ببلايين من الخلايا المخية، وهذه الخلايا ينطبق عليها القانون العلمي “ما لا يستعمل يضمر” وهذا الكلام ينطبق على الوظائف الحسية كالسمع والنظر والتذوق، والوظائف العقلية سواء حركية أو معرفية، كتعلم أمر جديد، ركوب عجل، نزول سلم، فعندما يفكر الطفل تعمل في عقله على الفور وفي نفس لحظة التفكير 55 مليون خلية، مهما كان الفعل بسيطا جدا وحين يبدأ في التنفيذ تعمل معه 55 مليون خلية أخرى، وفي حالة التنفيذ الخطأ يتم تنبيه 25 مليون خلية من الخلايا القديمة، و35 من الخلايا المخية الجديدة، مؤكدة بأنه في جميع الأحوال سوف يستفيد الطفل من الناحية البيولوجية، لأن تنبيه خلايا بالخطأ أفضل كثيرا من تركها وضمورها، لهذا تعد نتائج هذه الدراسة صحيحة بنسبة 100بالمئة، وستتطور شخصيته من الناحية النفسية الإنمائية السيكولوجية الخاصة ببناء الثقة بالذات.
تضيف: الطفل عندما يخطئ سيغضب، وعندما يخوض من حوله التجربة بدلا منه سيشتد غضبه، بالتالي يجب أن نتركه يجرب بنفسه من دون مسك يده، لأننا بذلك ننبه ملايين الخلايا عنده، الأهم أننا سنتركه ينجز أعماله بمفرده فتتكون لديه صورة إيجابية لذاته، وهذه هي الدعائم الأولى للثقة بالذات ولبناء الشخصية المتوازنة، كأن نسمح له باختيار لعبه حتى لو رأيناها رديئة، أو اختيار طريقة استذكار دروسه، أو نتركه يشرب الشاي باللبن مع العسل مثلجا، لكن لا نتركه لما يضر بصحته وسلامته كأن يدخن مثلا، أو يمشي في الشوارع بلا ملابس، فالخطأ يقلل قدرات الطفل العقلية وليس الإبداعية، وهذا ليس بجديد، بل متبع حتى في مقاييس اختبار الذكاء العالمية،وباتت التجربة والخطأ من أهم المقاييس الأساسية لتنمية الذكاء وإلا سيفتقد مهارة حل المشكلات، أما ما يقلل الإبداع عند الطفل فهو الروتين فالمخ ألابتكاري يحتاج نشأة مختلفة، وطفلا لا يعيش نمط حياة ثابتا.

You might also like