رحلة مرعبة إلى أماكن تنتهك فيها حرمات الإنسان

أخلاقيات العلم والاتجار بالبشر… صراع بلا نهاية رحلة مرعبة إلى أماكن تنتهك فيها حرمات الإنسان

نماذج من أهل القرية الذين باعوا أعضاءهم

في كتابه «السوق السوداء» THE RED MARRET للصحافي الاسكتلندي «سكوت كارتي» والفائز بجائزة بوليتزر الأميركية التي تخصص لأفضل عمل صحافي يكشف عن وقائع حقيقية. يحدثنا الكاتب عن حصيلة تحقيقه الذي استمر على مدى خمس سنوات، تنقل فيه بين عدد من البلدان، متتبعا آثار تجارة بدأت حديثا في الازدهار، ولكنها خفية ومربحة. أطرافها عصابات لا تعرف الشفقة، وعيادات مجهزة بأحدث التقنيات، وزبائن من الطبقات العليا، ويأخذ الكتاب القارئ في رحلة مرعبة إلى الأماكن التي تتم فيها هذه التجارة وينفق من أجلها ملايين الدولارات.
يقول محلل الكتاب الدكتور محمد المنسي قنديل في مقال له، انها سوق جديدة لم نعهدها من قبل ولكنها آخذة في الانتشار وعابرة للحدود. ومثلما تدل السوق السوداء على الاتجار في البضائع غير القانونية كالسلاح والمخدرات، فان تعبير «السوق الحمراء» يدل على الاتجار في اللحم البشري: الكلى، الكبد، القلب، القرنية، الدم، العظم. وحتى بويضات الاخصاب.
وقد جاءت المؤلف فكرة هذا الكتاب عندما كان يقيم في الهند، وقرأ في الصحف ان الشرطة هاجمت مزرعة في مدينة صغيرة على الحدود، وحررت 17 شخصا كانوا مسجونين فيها، وكان يتم سحب الدم منهم مرتين أو ثلاثا أسبوعيا لتوفير كميات للمستشفيات في المدن الكبرى، وعلى الفور سافر ستيوارت لهذه المنطقة، وعقد صداقة مع مسؤولي الأمن هناك ليحصل على المزيد من المعلومات وقال له أحدهم انهم يضبطون كل يوم الكثير من البضائع المهربة، وأخذه إلى غرفة جانبية ليريه عينة من هذه البضائع، يقول المؤلف:» كنت اعتقد انني سأجد فيها بعض المخدرات أو السجائر أو الخمور، ولكني وجدت الغرفة حافلة بكل أنواع العظام البشرية، سيقان وأذرع وجماجم، وعرفت فيما بعد ان بعض المزامير التي تشارك في الطقوس الدينية، لا تصنع الا من هذه العظام». من هذه الواقعة بدأ يمسك خيوط هذه التجارة الغريبة.
فعلى مدى 2.. عام كانت كل العظام التي تتوافر للدراسة في كليات الطب المختلفة في أميركا وأوروبا قادمة من الهند، وهناك عصابات منظمة من حفاري القبور في البنغال الغربية، يعرون العظام من بقايا العضلات العالقة بها، ويقتحمون المقابر وينبشونها ويستخدمون الأطفال لاتمام هذا العمل، وعن طريق وكلاء متخصصين لهم يستطيعون بيعها لأي كلية طب تحتاج اليها.
ولا تتوقف التجارة في الهند على هذه البضاعة الجامدة، بل تمتد للأعضاء الحية، فهناك معسكر للاجئين الذين ضربهم اعصار «تسونامي» وحطم بيوتهم في عام2..4 ويطلق عليهم»كيدني في كام» أو مدينة الكلى، لأن، تقريبا، كل واحد من السكان الذين يعيشون في هذا المعسكر قد باع احدى كليتيه، وفي العادة يتكلف تجهيز الكلية الواحدة نحو 3 آلاف دولار، لا يصل منها لصاحبها الا أقل القليل، ولكنها أفضل من لا شيء. فبالنسبة لهؤلاء الناس الذين فقدوا كل ما كانوا يملكونه لم يبق لهم الا بيع أعضائهم الحية، هذا هو الخيار الوحيد المتاح لهم. ويمتلئ الكتاب بالقصص المرعبة عن الكثير من الأفراد اليائسين والمحبطين الذين يضحون بأعضائهم الحيوية من أجل حفنة من الدولارات، وهي نقود تظل عاجزة عن تغيير مسار حياتهم المحتوم.

(1)
الكرامة الانسانية: وفي الوقت الذي يحدث هذا في كثير من بقاع العالم، تتردد في المؤتمرات والندوات العالمية ضرورة الحفاظ على الكرامة الانسانية وصون الحياة البشرية بشتي الطرق وأرفع السبل. والواقع ان مطلب توفير الكرامة الانسانية ومراعاتها في مجتمع الغد أصبح من المطالب الأساسية التي يتردد ذكرها بكثرة في المحافل الدولية، وبخاصة في الندوات والمؤتمرات التي تعقدها اليونسكوـ أكبر مؤسسة ثقافية عالمية وفي الندوات الصادرة عنها.
ففي الجلسة الافتتاحية لمؤتمر اليونسكو التاسع والعشرين على سبيل المثال ذكر «فردريكو مايور» المدير العام لليونسكو حينذاك أمام المشاركين ان أخلاقيات المستقبل سوف تقوم على التعاون من أجل السلام وتحقيق الأمن والتنمية وتحديد المسار نحو الديمقراطية والقضاء على الفقر والتهميش اللذين يزدادان بدرجة ملحوظة، ليس فقط في مجتمعات العالم الثالث بل في كثير من الدول القوية، وأن كوكب الأرض يعاني من كثير من المواقف المتفجرة والأوضاع القابلة للانفجار، وكلها أمور تحاول اليونسكو التغلب عليها بطرق مختلفة، وهو ما يتطلب التركيز والألحاح على الدور الفكري والأخلاقي للمنظمة (اليونسكو)، باعتبارها (ضمير الانسانية) حسب تعبيره.
ثم يواصل حديثه بقوله:» ما يدعو للأسف أننا على استعداد للدفاع عن حدود أوطاننا، ولكننا لسنا على استعداد للدفاع عن حدود الانسانية. ما يستدعي في رأيه ضرورة الوصول إلى اعلان عن مسؤوليات الأجيال الحالية نحو أجيال المستقبل، ولذا يتعين علينا الآن وفي الحال وضع أسس أخلاقيات المستقبل التي دونها لن نستطيع اقرار السلام ودعم التنمية في القرن الواحد والعشرين. فالمستقبل يضع اذن أمام الحاضر كثيرا من التحديات في المنطقة بوجه خاص بنوعية التوافق والتناسق التي يجب أن تسود العالم. وتتوقف نتائج مواجهة هذه التحديات على تصرفات البشر أنفسهم وسلوكياتهم والعلاقات التي تقوم بينهم والقيم التي يتمسكون بها والتي توجه هذه العلاقات.
وسوف تلعب تكنولوجيا الاتصال دورا مهما في التقريب بين الناس وتوفير فرص التفاهم المتبادل وادراك المعنى العميق لقيم وأخلاقيات الشعوب المختلفة، ولكن هذه التكنولوجيا سوف تؤدي في الوقت نفسه إلى اختفاء كثير من القيم والمعايير الأخلاقية التقليدية الخاصة والمتوارثة لدي كل شعب من هذه الشعوب، حتى يمكن توفير أرضية مشتركة من القيم والأخلاقيات الكوكبية العامة على ما يقول «بروس مري» الأستاذ بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

سياحة الاخصاب:
لا أدل على سوء استخدام البشر للتكنولوجيا الجديدة من استغلالهم لهذه التكنولوجيا في ما يُسمى بسياحة الاخصاب، ففي قبرص توجد واحدة من أشهر عيادات الاخصاب في أوروبا، وهي تستعين بالبويضات التي تستخرجها من المهاجرات الشابات من أوروبا الشرقية، وهن يسعين لبيع البويضات بأي سعر، وأحيانا ما يتم استئصال المبيض بأكمله، لا يتقاضين أكثر من مائة دولار، أو مئتين بينما يدفع الزبون في مقابل العملية مبلغا يتراوح بين 8 إلى 14 ألف دولار، ورغم ذلك فان عيادات قبرص هي الأقل سعرا عن مثيلاتها في أوروبا وأميركا بنحو الثلث، كما أن العولمة اوجدت ما يمكن أن نطلق عليه «صناعة سياحة الاخصاب» خاصة إلى الهند، يقول مؤلف كتاب»السوق الحمراء»سكوت كارني «لقد تم الاعلان في عام 2002 عن القيام بعمليات قانونية كنوع من تنشيط السياحة الطبية».
ففي عيادة «أكانكاشا»للاخصاب، وقد تم القاء الضوء عليها في برنامج»أوروبا» الشهير يوفر وكلاء محليون عمليات التخصيب للنساء الراغبات في الحمل في سرية تامة، ويتم زرع البويضات في الرحم دون أن تعرف المصدر، ولكن السيدة تكون متأكدة أنها من النوع الجيد، وقبل الهند كان هذا الأمر قاصرا في أميركا على الطبقات العليا فقط، ولكن مع انتشار هذه العيادات الهندية، وتدني التكلفة أصبح في امكان الطبقات الوسطى الاستفادة أيضا.
(2)
استساخ البشر:
يرتبط بموضوع الاتجار بالبشر وبأعضائهم موضوع شديد الأهمية وبالغ الخطورة وهو استنساخ البشر. والاستنساخ بمفهومه العام، أي التوالد الخضري أو اللاجنسي Asexual Reproduction هو آلية تستخدمها الطبيعة كطريقة للتكاثر عند الحيوانات غير الراقية أو النباتات الراقية وغير الراقية. فاذا كان الاستنساخ قد أثار ضجة عارمة في الأوساط العلمية والاجتماعية كافة في الآونة الأخيرة، فان ذلك يعود إلى استخدام تقنيات تخصيب مخبرية ليس لها مقابل في الطبيعة، والتي يمكن تطبيقها على الانسان لتوليد أجنة بشرية متماثلة. وهو ما انتهى اليه علم الوراثة بشكل عام، والهندسة الوراثية بشكل خاص، في نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة. فبالرغم من الحقائق العلمية الكثيرة التي تكشفت عن هذا الحقل، يأتي امكان تطبيق بعض الاكتشافات والتقنيات، كالاستنساخ مثلا، ليقلق المجتمع العلمي.
قد يتطرق الوهم إلى البعض معتقدا أنه بالامكان استنساخ شخصيات العلماء والمفكرين والعباقرة، لأن هؤلاء ليسوا فقط نتيجة كاملة لعوامل وأسباب بيولوجية من الذكاء المفرط والعبقرية البالغة الموروثة، ولكنهم يدينون لعناصر أخرى من البيئة الاجتماعية والثقافية التي ساعدت على تكوينهم ونشأتهم.
ولا شك أنه قد أصبحت كلمة استنساخ تعني امكان مضاعفة وانتاج عدد غير محدود من الجزئيات المتماثلة وذلك عن طريق ادخالها إلى خلية حاضنة كخلية البكتريا. وكلمة استنساخ ليست بالمفهوم الجديد من الناحية العلمية، ولم تكن لتثير جدلا لولا امكان تطبيقها على الكائنات التي لا تتكاثر الا جنسيا، وفي طليعتها الانسان. ولا شك ان السيناريو المُستخدم في هذا السياق هو نفسه الذي اُنتهج في عملية توليد أو استنساخ النعجة دوللي بالرغم من بعض الاختلاف في التفاصيل، والذي تم في عام 1997.
الاستنساخ والأخلاق: وهنا يمكن أن يثار سؤال مهم: ما الذي يمنع هؤلاء الباحثين المشتغلين بهذه الأبحاث الجينية والوراثية من استخدام تقنية الاستنساخ لأهداف توالدية، أي لاستنساخ البشر؟ ماذا لو اضطرت بعض الحكومات استنساخ البشر أو استخدام تقنيات الاستنساخ على البشر تحت طائلة المسؤولية، أي أن يتعرض من يحاول مخالفة القانون لعقاب قد يصل إلى السجن مع دفع غرامات هائلة؟
ماذا لو امتنعت حكومات أخرى عن وضع تشريعات مماثلة؟ فهذا يعني تهيئة بيئة مناسبة للباحثين المغامرين للقيام بأبحاثهم مهما كانت طبيعتها في تلك الدول التي تسمح ولا تحّرم. ان الالتزام بالمعايير الأخلاقية قد يصبح مسألة شخصية ولا يمكن اعتمادها وسيلة لاقناع كل باحث بضرورة التقيد بالقوانين وعدم التعرض للطبيعة البشرية أو لقوانين الحياة، بحيث تتوقف محاولات استنساخ وتعديل طبيعة البشر. ما رأي الجمهور غير المتخصص كما يقول فهد نصر في مقاله» هل يُسمح بالاستنساخ البشري؟» في هذه التجارب التي تمسه بشكل مباشر؟
يؤثر الباحثون التمييز بين نوعين من الاستنساخ: العلاجي والتوالدي. الأول يهدف إلى توليد وعزل خلايا جذعية بشرية يُراد منها ان تشكل المادة الأولية لانماء خلايا متخصصة، كالخلايا العصبية والعضلية، وذلك لاستخدامها في علاج طيف واسع من الأمراض كالسكري وأمراض القلب والتليف الكيسي أو الحوصلي. وتستخدم حاليا تقنية الاغراس النووي لنقل النواة من خلية المانح إلى البويضة فتشرع الأخيرة بعد التحريض (الكهربي) الانقسام الميتوزي فتشكل جنينا بشريا مستنسخا.
ويمكن أيضا للبويضة غير المخصبة ان تنمو من خلال سيرورة التوالد الكبرى، وتعتمد على تحريض البويضة قبل أن تنهي انقسامها الميوزي أو الانتصافي كما يقول الدكتور فهد نصر في مقاله عن استنساخ البشر الذي يسمح للخلايا الجنسية بتضعيف عدد صبغياتها.
(3) أما الاستنساخ التوالدي فيهدف إلى استخدام التقنية نفسها لتوليد جنين بشري يتم اغتراسه في رحم امرأة حاضنة. فيؤدي (فيما لو تم نموه) إلى ولادة طفل مستنسخ.
ويبرر البعض الاستنساخ العلاجي الذي يهدف إلى انتاج خلايا جذعية بأنه لا يعارض قدسية الحياة لأنه يستخدم أجنة بشرية في مرحلة مبكرة من النمو. ويضيف هؤلاء ويعلنون ان الاستنساخ بوساطة النقل النووي ينتج كينونة بيولوجية ليس لها مقابل في الطبيعة، لذا لا يمكن اعتبارها شخصا.
هذه الآراء تصرخ بالتناقض لأن البويضة المخصبة بالنقل النووي تحمل في داخلها امكان النمو لتصبح كائنا حيا لذا تستحق الاحترام. أما النقل النووي بالذات فهو يعارض الطبيعة لأنه يؤدي فيما لو استخدم الاستخدام التوالدي وهو ليس مستبعدا إلى توليد نسخة مماثلة لانسان موجود، وهذا ما نعارضه نحن بشدة لأنه مخالف لكل قوانين الطبيعة. كما أنه يترتب على ذلك مشكلات أخلاقية:
فما الوضع الأخلاقي للبويضة المخصبة بالنقل النووي والتي ستنمو إلى مرحلة «الكيسة الأريمية» لكي تستخدم في الأبحاث العلمية والتي تهدف بدورها إلى انتاج خلايا جذعية لمعالجة بعض الأمراض؟ هل يجوز أن نضحي بأجنة بشرية لمعالجة المرضى؟
هنا يبدو جليا أن الاستنساخ البكري قد يشكل بديلا عن الاستنساخ الذي يتم بالنقل النووي وذلك لأنه لا يثير المعضلات الأخلاقية نفسها لأنه أولا: أن تخصيب البويضة بكريا لا يعد استنساخا لنواة مانح، بل يؤدي إلى كينونة جديدة ليس لها مقابل في الطبيعة. ثانيا: أن البويضة المخصبة بكريا لم تأت نتيجة التقاء البويضة بالنطاف، وعليه فانها لا تملك الحقوق نفسها التي تحظي بها البويضة المخصبة طبيعيا. ثالثا: أن تكوينها الوراثي، وان كان يوافق تماما الكائن الذي سحبت منه البويضة، فهو يختلف عنه، لذا يمكن ان تشكل مصدرا للخلايا الجذعية وتستخدم لعلاج المانح نفسه. رابعا: قد تكون مصدرا لسلالة عالمية من الخلايا الجذعية. خامسا: اذا كان لابد من السماح لتقنية الاستنساخ بان تستخدم على الانسان لأهداف طبية، فوحدها آلية الاستنساخ البكري يمكن اعتمادها لأن أكثر الباحثين حزما وتشددا لا يعارضونها.
ولكن ما الوضع الأخلاقي لمانحي النوية المستخدمة في الاستنساخ العلاجي بالنقل النووي؟ بالرغم من اغفال أسماء المانحين من قبل الباحثين فان فكرة السماح باستنساخ المانح لنفسه قد تضع هذا الأخير في مواجهة المجتمع، لو استخدمت لأهداف توالدية وذلك باغتراسها داخل رحم أم حاضنة لتنمو وتنتج نسخا من المانح؟ وهكذا ستتولد كثيرا من المخالفات الأخلاقية الجسيمة، خصوصاً أن تاريخ العلم الحديث يؤكد مخاوفنا لجهة عدم احترام التوصيات الصادرة عن المؤتمرات أو القوانين التي تصدر عن حكومات الدول.
ان الاستنساخ الجديد اذا اقتصر تطبيقه على غير المجال البشري لا خطر فيه، بل فيه كثير من المصالح المعتبرة، من النواحي الطبية والاقتصادية سواء تم في النطاق النباتي كما يجري تطبيقه من قديم، أو في المجال الحيواني الأدني «الميكروبات» كما ُعرف منذ أمد ؛ أو في الحيوانات العليا الثديية كالنعجة دوللي. ولكننا ومعنا كثير من الباحثين نتحفظ على جوازه في هذا النطاق الحيواني غير البشري، من ناحية معينة، وهي أن يؤدي تطبيقه إلى اختلال في «التوازن الحيوي» اذا سمح لكل من يملك تقنية الاستنساخ الحيوي ان يستخدمها بلا ضمانات أو حدود. وقد جرب العالم في الأعوام القليلة الماضية «جنون البقر»لاستخدامه الغذاء الحيواني لتسمينه وزيادة وزنه.
(4)
الاستنساخ والقانون
يبدو أنه في عصرنا الراهن عصر الثورة العلمية والتكنولوجية المتمثلة في الطفرات والقفزات الهائلة في تقنيات المعلومات والاتصالات وبحوث البيولوجيا والهندسة الوراثية التي يسميها»توفلر»بالقنبلة البيولوجية، يبدو أنه في هذ العصر ُكتب على القانون ان يتخلى عما يتمتع به من وقار وتؤدة وأن يلهث لهاثا سريعا لملاحقة الآثار الاجتماعية بالغة العمق التي أحدثتها وستحدثها هذه الثورات العلمية المتلاحقة في حياة الأفراد والمجتمعات.
ان التطورات الحديثة في علوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وتقنيات الاتصال وثورة المعلومات والانترنت وبحوث الجينات والاخصاب المعملي والنقل النووي الجسدي الاستنساخي قد تركت وستترك انعكاساتها بالغة الخطورة والتأثير على القانون بمختلف فروعه المدنية والتجارية هذا فضلا عن انعكاساتها على مهنة القانون ذاتها بحيث أصبح أداؤها أكثر يسرا ورقيا من الحالة البدائية التي كانت عليها منذ عقود وأكثر تعقيدا وتركيبا في نفس الوقت.
والحق يقال ان كثيرا من باحثينا القانونيين قد تنبهوا إلى ما تمثله الثورة العلمية التكنولوجية من تحديات لنظامنا القانوني، فأخذوا يخوضون في مجالات للبحث كانت إلى عهد قريب تعد في نظر أسلافهم نوعا من الافتراضات الخيالية كتلك التي برع فقهاء المسلمين الأوائل في الحديث فيها كنوع من الرياضة العقلية والتدريب الذهني.
لقد كان العلماء المسلمون يتحدثون في حكم عقد «أهل الخطوة»، أي الرجال الصالحون الذين من كراماتهم أن يوجدوا في أكثر من مكان في ذات الوقت، واليوم أصبح «التلكيومفرنس» يقوم بما افترض أنه من عمل أصدقاء الجن أو الصالحين. وكان العلماء المسلمون الأقدمون يتحدثون عن حكم رجل أتي بقرة فأنجبت له مخلوقا له شكل بقرة وعقل انسان، فهل تجوز التضحية به في العيد اذا حفظ القرآن؟ واليوم يجري علماء الغرب أبحاثهم فيلقحون بويضة الخنزير بخلية الانسان ليستنسخوا أعضاء تسهم في شفاء الآدميين المرضي.
يقول المستشار القانوني محمد نور فرحات في بحث له عن الآثار القانونية للاستنساخ ان الباحثين القانونيين المعاصرين قد وجدوا أنفسهم في واقع ثقافي يتجاوز بكثير افتراضات أجدادهم من فقهاء المسلمين، فشرعوا يبحثون في المشكلات القانونية للحاسب الآلي، وفي حماية الملكية الفكرية في ضوء التطورات العلمية الحديثة، وفي بنوك الجينات والنطف، وفي الجوانب القانونية المحيطة بعملية زرع الأعضاء والأحكام القانونية والشرعية للاخصاب المعملي فضلا عن الندوات التي عقدت في الاستنساخ في رؤية الفقهاء والعلماء.
وبعد ولادة النعجة دوللي باستخدام التقنية الجديدة للنقل النووي الجسدي هبت عاصفة الحديث عن المشروعية اذا ما طبقت هذه التقنية على البشر وترددت أصدؤها في كل أنحاء العالم. وشارك فيها كل من رجال الدين والقانون والأخلاق والفلسفة والعلماء، ورجال السياسة. وكالعادة في كل نقاش ساخن حفلت الساحة بالمعارضين الذين يرون في استنساخ البشر أمرا غير مشروع دينيا وأخلاقيا والمؤيدين الذي يحذرون من الوقوف في وجه التطور العلمي.
وكما هو متوقع وقف رجال الدين على مختلف انتماءاتهم الدينية اسلامية ومسيحية أو يهودية ضد تطبيق تقنية الاستنساخ في مجال توالد البشر. وفي تقديمه لكتاب»ج.ا. بنس» (من يخاف الاستنساخ)(سطور1999) كتب الدكتور محمود حمدى زقزوق مقالا بعنوان»الاسلام لا يعتمد للانجاب الا طريقا واحدا»، حيث ان الاستنساخ للكائن البشري يؤدي إلى مشكلات شائكة ومعقدة من شأنها تهديد نظام الأسرة كله في الاسلام وهو نظام يقوم على الزواج الذي هو علاقة حميمة بين زوجين، ويعد الأطفال في الأسرة ثمرة طبيعية، ومن شأن الاستنساخ ان يؤدي إلى اختلال هذا النظام وفقدان هذه العواطف وضياع الانتماء الطبيعي داخل الأسرة.
كما عقد المجلس الأعلى للشئون الاسلامية في مصر ندوتين عن «الاستنساخ بين العلم والدين»، «والاستنساخ في رؤية الفقهاء « في يوليو وأغسطس عام1998. وكان هناك اجماع من فقهاء المسلمين على تحريم الاستنساخ البشري، لكونه عبث بالبشرية سيؤدي إلى فسادها. ولأنه يخالف المنهج الالهي في الخلق ولأنه سيؤدي إلى اختلاط الأنساب وانهيار الأسرة. ولأن مفاسده على الاجمال أكثر من المصالح التي تعود من ورائه ان كانت هناك مصالح على الاطلاق.
وقد صدرت عديد من التشريعات في الدول الأوروبية (ألمانيا واسبانيا وبريطانيا وسويسرا) تنظم التدخل الطبي في الجينات بما في ذلك الاستنساخ، سواء بحظر التلاعب في الخصائص الوراثية أو استعمال الخلايا المعدلة أو أي نسخ للجنس البشري أو خلق عملاق انساني أو انسان مختلط من حيوان (ألمانيا) أو تحديد أهداف أبحاث الهندسة الوراثية في التشخيص العلاجي أو الوقاية أو الأغراض العلاجية (اسبانيا) أو حظر الخلط بين الجينات الانسانية والحيوانية(بريطانيا وسويسرا).
أما في مصر فالمشّرع كما يذكر الدكتور محمد نور فرحات ما زال على تجاهله لمثل هذه التقنيات اكتفاء بالأحكام العامة في القانون على الرغم من مطالبة المجلس الأعلى للشئون الاسلامية والتي طالبت بالتدخل التشريعي وألقت الضوء على الجوانب الدينية والعلمية والطبية المتعلقة يتقنيات الهندسة الوراثية.
ومن أسف أننا نجد المستشار الخبير بالقانون يقدم لنا رؤية متشائمة ولكنها في الحقيقة واقعية في عدم الامتثال للقوانين التي توضع في هذا الشأن فيقول:» ان التجربة علمتنا ان البحث العلمي له منطق التطور الذاتي المستقل الذي لا يعبأ كثيرا بصيحات الاحتجاج الأخلاقية، أو بالحرمات الدينية. فكم من صيحات ارتفعت ضد تجار الاخصاب المعملي وضد تجارب نقل الأعضاء، ومع ذلك أصبحت هذه الممارسات واقعا مفروضا على المجتمعات أن تتعامل مع آثارها أيا كانت درجة استحسانها أو استهجانها.
ومن هنا يكتفي المستشار القانوني بطرح بعض الاشكاليات الرئيسة وهي كثيرة جدا التي تترتب على تطبيق التقنيات البيولوجية الجديدة لعمليات الاخصاب الصناعي. منها ما يتعلق بمسؤولية الطبيب أو العاملين في المركز الطبي ومنها ما يتعلق بالآثار التي ترتب على التلقيح. وهي نتائج شديدة الخطورة، ولكن الأهم والأخطر هو تلك التحديات بالغة الخطورة التي يمتلكها تكنيك الاخصاب على النظام القانوني للنسب وما يتبعه من آثار مرتبطة بالميراث وحقوق الصغير في الحضانة والنفقة وموانع الزواج بين الأقارب وما إلى ذلك، وغيرها من المشاكل الشرعية والقانونية اضافة إلى الاشكاليات الكثيرة والمستحيلة والتي لم تواجهها الانسانية من قبل.
والخلاصة اننا نجيب على سؤال «أ.ج. بنس»، «من يخاف من الاستنساخ؟ «، اننا نحن أهل الشرق المؤمنين حاملي قيم الحضارة الفاضلة نخشي الاستنساخ ونرفضه، بل ونخشي أيضا ممارسات الاخصاب الصناعي غير المنضبط وندعو إلى تطوير نظامنا القانوني ليواكب هذه الطفرات غير المتوقعة في علم الحياة من أجل ان تكون الحياة أكثر شرفا وفضيلة.
أخلاقيات المستقبل: وعامة يُملي علينا التفاؤل المنبثق من الايمان بالعلم وأخلاقياته، والأخلاق المنبثقة من باطن الضمير الانساني الحي أو الذي ينبغي لصالح الانسان أن يكون حيا أن نتمسك بأخلاق خاصة بالعلم ينبغي أن تسود واقع البشرية المعاصرة، ومن هنا فتوضيح آليات هذه التجارب العلمية الخاصة بالاستنساح أو بالهندسة الوراثية ونتائجها المرتقبة ومخاطرها المحتملة يقع على كاهل الباحثين عبر مقالات مبسطة ومحاضرات وندوات علمية عبر الفضائيات والشبكات المعلوماتية هذا النوع من النقاش المفتوح يسمح للمجتمع بادراك ان قانونا أو تشريعا عالميا قد يكون هو الخطوة الأولى نحو عالم أكثر أمانا واحتراما لكرامة الانسان.قد تجد الأمم المتحدة نفسها داخل هذه الدوامة فتحض عندها كل الدول على القيام بالتشريعات اللازمة لحظر التجارب على الانسان والسماح بتلك التي تضمن التقدم العلمي والطبي لمعالجة المرضى وتخفيف آلامهم.

أ.د. بركات محمد مراد
أستاذ الفلسفة الإسلامية
قسم الفلسفة والاجتماع – كلية التربية – جامعة عين شمس