“أخونة” السنة أم سنة “الاخوان”؟

غسان المفلح

كتبت قبل فترة مقالة مصارحة مع الاخوان المسلمين، ومن الردود التي اتتني، ومن التجاهل الذي لمسته حتى في الصفحات الداخلية لمؤسسات المعارضة، توضح ان الشباب في الجماعة، لا يرون ابدا حتى انهم بحاجة لوقفة تقييمية لعملهم اثناء السنوات الخمس من الثورة. حتى في بياناتهم الأخيرة بدأنا نلمس ميلا أكثر من السابق، إلى الاستشهاد بآيات قرآنية واحاديث نبوية.
منذ خروجي من المعتقل قبل نحو 16 عاما، وانا ادافع نقديا عن حق الاخوان المسلمين بالعمل السياسي، حالهم كحال أي تيار سياسي، من دون ان اجعل هذا يغفل مساحة النقد تجاه خطابهم وممارساتهم, حتى مؤسسات المعارضة قبل الثورة، وداخل المجلس الوطني و”الائتلاف” بعد الثورة ومنذ لحظة تشكلهما.
ما اريد الحديث عنه يتعلق، في ان الجماعة مصرة على ان تحول السنة في سورية لطائفة أو لفرقة ناجية. رغم تقدم خطابهم المدني والليبرالي، إلا اننا لا نلمح كثيرا من التغيير في ممارساتهم انسجاما مع هذا التغير في الخطاب.
ما كان يريده الأسد دائما ان يجد قوة سياسية في المعارضة، تتعامل مع السنة بوصفهم طائفة, علما ان السنة لم ولن يكونوا طائفة مهما حاول النظام الاسدي وغيره و”الاخوان” وبعض الإسلاميين التعامل معهم كذلك.
التعامل مع السنة كطائفة هو تأسيس لرفض النظام الديمقراطي والتغيير نحوه. الأسد دمر سورية من اجل تكريس نفسه واسرته حكاما ابديين لسورية كمزرعة, و”الاخوان” او القسم الغالب من قياداتهم تتعامل مع الامر أنهم هم ممثلو السنة، الذين تؤدي خطتهم في النهاية لقيام نظام إسلامي. واي نهاية؟
هذا الأساس المنهجي عند “الاخوان” يساهم، في خلق حالة من الخلط لدى السوري عموما, والسني خصوصا. يحتار السوري: هل ينظر الى الاخوان المسلمين كقوة سياسية ديمقراطية, ام ينظر لها كقوة سنية تريد تطبيق شرع الله؟ كهيئة مشايخ وعلماء ام كقادة سياسيين؟
الواضح في تجربتهم ان هنالك مثابرة لمحاولة الجمع بين الامرين, “اخونة” السنة ظاهرة سياسية حديثة ومعاصرة، بدأت شافعيا بمصر، على يد حسن البنا وتنظيرات سيد قطب اللاحقة. النقلة التاسيسية كانت ناتجة عن ظروف مصر في عشرينات القرن العشرين، وقراءتها من قبل البنا أولا ومن ثم مؤسسي “الاخوان”، والشخصية الأكثر جدلا في هذه اللحظة التأسيسية هو سيد قطب.
إن القراءات المتباينة بين المؤسس حسن البنا وسيد قطب ورجالات “الاخوان”، وانتهاء بالشيخ القرضاوي، الذي له اجتهاد أيضا، بالخلاف بين قطبي “الاخوان” البنا وقطب. تؤكد كلها بما لا يقبل الشك، ان هذه الاجتهادات والاليات التنظيمية التي حاول انتاجها سيد قطب، تؤكد اننا امام محاولة حديثة ومعاصرة لـ “اخونة” السنة. هي ليست عودة للاسلام، بقدر ما هي تبني لطريق واحد لهذه العودة هو طريق اللحظة التاسيسية لـ “الاخوان.
كل من قرأ “الاخوان” وتاريخهم يحاول، أن يفتش في جيوبهم الثقافية والفكرية عن منابعهم النصية في القرآن والاحاديث النبوية والسيرة، أي في تاريخ اللحظة التدشينية للاسلام كما يسميها محمد اركون. في الواقع الحقيقي الدخول في خلاف فقهي أو أيديولوجي مع فكر “الاخوان”، هو من قبيل اللعب في ساحتهم.
المؤسسون واللاحقون، لا يريدون الاعتراف بحقيقة بسيطة، وهي أنهم يريدون “اخونة” السنة وليس العودة للاسلام, فإذا كان المقصود أنها العودة، فهذا يعني ان كل السنة قد خرجوا من ارض السنة هذه، لكن الاس الأيديولوجي والمعياري هنا بالضبط هو كما يزعم “الاخوان” السنة بحاجة لمن يعيدهم إلى الإسلام. إذا بالمحصلة “الاخوانية” هي محاولة دنيوية حديثة ومعاصرة “لاخونة” السنة.
هل يقتنع “الاخوان” أن محاولتهم هذه إنما هي عبارة عن رسم طريق خطه مؤسسوهم، من اجل هذه العودة. وهذه الخطة مشروطة بالظروف التاريخية والموضوعية والذاتية لهؤلاء المؤسسين؟
اذا كانت على سبيل المثال قراءات اللحظة المعاصرة للتكفير تاتي من منبتها القطبي، كما يرى كثير من الباحثين، وقراءة القرضاوي اقرب لهذا الفهم, فهذا يشير أيضا إلى أن هذا المنبت تحكمه السياسة وليس الدين، السياسة بما هي ظروف موضوعية وذاتية. وفقا لهذه القراءة السريعة، والتي تحتاج لمزيد من التفصيل، نجد أن الأصدقاء في “اخوان” سورية، لا يزالوا مصرين على اخونة السنة في سورية، وبالتالي “اخونة” المجتمع السوري, وليست محاولتهم التي اتضحت خلال الثورة، انهم يريدون بشكل دائم “اخونة” المعارضة، إلا دليل على اننا امام حالة من الانكار انهم حزب دنيوي سياسي يريد السلطة على الدولة والمجتمع وفقا لمسيرتهم في “اخونة” السنة السوريين، فهل ينجحوا؟ وما انعكاسات ذلك على الشعب السوري وثورته ومأساته؟ إذا كان كل “الاخوان” سنة، فهل يلزم ان يكون كل السنة “اخوان”؟ هذا ما سنحاول معالجته في مقالات لاحقة.

كاتب سوري