أزمـة أخلاق…أين أنت يا عـــروة؟

أحمد الدواس

أحمد الدواس*

كان أحد الباعة الهنود يدخل سوق القرية بعربته كل أسبوع ليبيع الخضار، فيدفع للشرطي مئة روبية ( نصف دينار كويتي تقريبا) حتى يسمح له بالبيع، وقصة أخرى عن زوجة يضربها زوجها، ولما تذهب لرفع قضية ضده يدفع الزوج بعض المال لضابط المخفر فيغير أقوالها، حتى إذا وقفت أمام القاضي لاتجد دليلاً ضد الزوج، وتقول إن بإمكانها رشوة القاضي ليصدر حكماً لصالحها، لكن الزوج سبقها وقدم رشوة للمحامي والقاضي، فبرأتــه المحكمة.
في أفريقيا كان صاحب سيارة الأجرة يعبر جسراً للانتقال للمنطقة الأخرى فيدفع رسم عبور للحكومة، لكن لأن السائق يذهب ويأتي مرات عدة باليوم لذلك رأى ان يدفع مرة واحدة مبلغاً من المال للشرطي المرابط على رأس الجسر حتى يتنقل جيئةً وذهابا أكثر من مرة، فقبل الشرطي بهذا الاتفاق، وهكذا، فمعنى الفساد باختصار «ان يستغل الأشخاص وظائفهم من أجل الكسب المادي»، كالقاضي والشرطي في المثالين .
ربما لانلوم شعب الهند وشعوب أفريقيا، فالكل يعرف ظروفهم المعيشية، لكن لماذا يحدث في بلدنا الفساد؟ ان الكويت هي الأكثر فساداً خليجياً وفق تقرير لمنظمة الشفافية الدولية للعام 2016، فأصبحت ادعاءات الحكومة الإصلاح « أضحوكة»، فالفساد يضرب وزارات الدولة ناهيك عن شراء الود السياسي، وأصبح البلد ينحدر بسبب الفساد، بينما تتعاقب الحكومات بشعارات جوفاء، وهناك من يسهل لبعض الأفراد الهروب من مطار الكويت أو المنافذ البرية بعد أن يقبض الثمن.
من أمثلة الفساد في العالم نذكر منها: اكتشاف الحكومة التشيكية ان لدى وزير التجارة التشيكي مبلغاً ضخماً فأُرغم على الاستقالة، وأعدمت إيران رجل أعمال بتهمة الفساد، وفي العراق دفعت الحكومة معاشات لآلاف الجنود الذين لاوجود لهم، وفساد حركة “حماس” والسلطة الفلسطينية، وهناك فساد كبير في إيطاليا، وفساد المسؤولين اليونانيين فتعرضت بلادهم لعجز مالي كبير.
رئيس الهند السابق أبوبكر جنة العابدين عبد الكلام، كان قد نشأ في عائلة فقيرة لم تستطع تحمل نفقات تعليمه بالمدارس، لكنه اجتهد كثيراً واستمر بالدراسة فنال شهادة عالية كعالم فضاء مشهور على المستوى العالمي، ومن أقواله انه «إذا أرادت دولة ما ان تكون خالية من الفساد وان تمتلك عقولاً راجحة فهناك ثلاثة أطراف يحققون لها ذلك وهم: الأب والأم والمعلم، وان هؤلاء الثلاثة إذا اهتموا بالطفل ودفعه الى المسار الصحيح فان الوضع في تلك البلاد سوف يتحسن كثيراً خلال الجيل المقبل»، أي غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس الأبناء سواء من خلال المنزل أو المدرسة، يقول سقراط: «التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه».
لما دخل عروة بن محمد اليمن والياً عليها قال: « ياأهل اليمن، هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها فأنا سارق»، ماأجمل أخلاق العرب قديماً، وتمر السنون فتتغير أخلاق الناس ويستغل بعضهم منصبه لتحقيق منفعة شخصية لنفسه أو لجماعته،كأن يقبض عمولة من مناقصة حكومية أو رشوة، أو يعين أقاربه وأصحابه في إدارات الحكومة، أو يحدث تضخم مفاجئ في حسابه المصرفي، والفساد أحد مظاهر سوء الإدارة الحكومية ويرتبط بضعف المحاسبة، وهناك من الآراء من يقول «ان الفساد لا يولد مع المرء، بل عندما لا يجد المسؤول أحداً يقف في وجهه ويقول له توقف لا تفعل ذلك».
في 13 ديسمبر العام 2013 نشر خبر في الصحف المحلية مفاده ان الكويت خسرت 25 مليار دولار خلال 10 سنوات بسبب الاحتيال والرشاوى والعمولات، تلاه خبر آخر مفاده ان مبالغ العلاج في الخارج بلغت مليار دينار (نحو ثلاثة مليارات دولار)، وبالأمس نشر خبر ثالث بالصحف المحلية حول «وجود 42 ألف قضية للمال العام، ما يعني إغراق القضاء والنيابة وأجهزة الرقابة بأعباء لا يمكن احتمالها، فلا يمكن تحت هذا الضغط تحقيق نتائج مرضية من ورائها، إلى جانب حاجة تلك الجهات لتوظيف أجهزة بشرية ضخمة للحد قليلاً من معاول الهدم.
هذا دليل على ان مجتمعنا يمر بأزمة أخلاق، وان الكثيرين يضربون بالمبادئ الأخلاقية عرض الحائط، وهو تقصير من جانب المنزل ووزارتيّ التربية والأوقاف.

*سفير كويتي سابق
aldawas.ahkwt@yahoo.com