محبرة قلم

“أسد عليّ وفي الحروب نعامة” محبرة قلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

كيف يكون الرجل عند الأمن والدعة”أسد” وحين الشدة والبأس “نعامة” يرعبها صفير الصافر؟
ما أكثر هؤلاء الناس، فمتى كانت النعامة أسداً، إنهما ضدان لا يتفقان في أي حال من الأحوال، والشجاعة لا تشترى بالمال لأنها غريزة في الانسان، تظهر وتتجلى عندما يحمى الوطيس، وتشمر الحرب عن ساقها، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشجع الناس، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قال: “كنا إذا حمى (اشتد) البأس، اتقبنا برسول الله (صلى الله عليه وسلم)”، العجيب أن هناك أناساً كثراً عند السلم والدعة تجدهم عناترة زمانهم ، تتعالى أصواتهم، ينتفخون انتفاخ الطواويس، إلا أن الرجل العاقل يعرفهم للوهلة الأولى، والخوف ليس مرضا يتعالج منه وإنما هي سجية وطبيعة للجبان، يقول المولى عز وجل في الآية الرابعة من سورة المنافقون:” وإذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون” وبعد هذا الشرح تعالوا إلى بيت الشعر، عنوان الموضوع:
“أسد عليَّ وفي الحروب نعامة
وبداء تجفل من صغيرز الصافر”!
هذا البيت من الأبيات الشهيرة، وله قصة عجيبة، وكائنة غريبة، أما صاحبه فهو: عمران بن حطان، شاعر الخوارج في العصر الأموي، روى الطبري وغيره، أن الحرب كانت قائمة على قدم وساق بين أمير العراقين الحجاج بن يوسف الثقفي، وبين الخوارج، وكان أمير الخوارج شبيب بن يزيد الشيباني أشد الناس بأسا، حتى إن الفارس لا يستحي أن يفر بين يديه، وكانت زوجته غزالة مثله بالشجاعة والإقدام، وقد كسر شبيب خمسة جيوش للحجاج حتى خافه الناس خوفا شديداً.
ومع نشوة انتصارات الخوارج على جيوش بني أمية، نذرت غزالة أن تدخل الكوفة معقل الحجاج ومركز قوته، وأن تصلي في مسجدها ركعتين، تقرأ في الأولى سورة البقرة وفي الثانية آل عمران، فاقتحم شبيب الكوفة في سبعين رجلاً ومعه زوجته غزالة وأمه جهيزة، وهرب الحجاج منه وتحصن في قصره، ووفت غزالة بنذرها، وظلت تقرأ في السورتين حتى تعالى النهار، والحجاج متحصن في قصره، فقال عمران بن حطان يعير الحجاج بهروبه:
“أسَـدٌ عَلَيَّ وَفي الحُروبِ نَعامَــةٌ
وبْداءُ تجفلُ مِن صَفيرِ الصافِرِ
هَلّا بَرَزتَ إِلى غَزالَة في الوَغى
بَل كانَ قَلبُكَ في جَناحَي طائِـرِ
صدعت غَــزالـة قَـلبـَـهُ بِفَوارِسٍ

تَرَكـتَ مَنـابِـرَهُ كَأَمـسِ الدابِـرِ
أَلقِ السِلاحَ وَخـُذ وِشاحي مُعْصِرٍ
وَاعْـمَد لِمَنزِلـةِ الجَبانِ الكافِـرِ”
فصارت أبياته هذه مثلاً سائراً لكل من يتظاهر بالشجاعة وهو جبان، وعمران بن حطان هذا من شعراء الخوارج ودعاتهم، وهو رأس الخوارج (القعدة) وهم فئة من الخوارج تجيز القعود عن الحرب، كان هذا الرجل من أهل السنة والماعة ومن رواة حديث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الموثوق بهم، فأحب امرأة خارجية وتزوجها على أن يردها عن رأيها إلى رأيه وكانت غاية في الجمال، فأحبها حبا شديداً حتى إنها عدلت به عن رأيه إلى رأيها، وهو القائل يمدح قاتل علي ابن طالب ، عبدالرحمن بن ملجم لعن الله القاتل والمادح):
“يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيَ مَا أَرَادَ بِهَا
إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا
إنِّي لأَذْكُرُهُ يَوْماً فَأَحْسَبُهُ
أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ الله مِيزَانا”.
لعنة الله حتى تقوم الساعة، ورد عليه القاضي أبا الطيب الطبري:
“إني لأبرأ مما أنت قائله
عن ابن ملجمٍ الملعونِ بهتانا
إني لأذكره يوماً فألعنه
دنيا، وألعن عمراناً وحِطَّانا
عليه ثم عليه الدَّهْر متصلاً
لعائن الله إسراراً وإعلانا
فأنتما من كلاب النار جاء به
نص الشريعة برهاناً وتبيانا”.
توفي هذا الخارجي المعلون عام 84 هجرية في عمان، ولا بأس أن احدثكم عن الخوارج، فهم طائفة عندها غلو في الدين، وقد ذكرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) لاصحابه، روى سهل بن حنيف أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أهوى بيده قبل العراق وقال:”يخرج منه قوم يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية” (متفق عليه)، وكلمة خوارج منسوبة إلى خروج، وقد خرجوا على الإمام علي بعد التحكيم، وأول من عرف منهم ذو الخويصرة التميمي، واسمه عبدالله، وقد قال هذا الملعون لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أعدل يا رسول الله”! فقال سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام:”ويلك! من يعدل إذا لم أعدل”؟
ثم قالوا بعد ذلك لعلي بن أبي طالب عندما رضي بالتحكيم: “الحكم لله لا لك ياعلي”، فحاول الإمام علي ان يثنيهم عن رأيهم ويعيدهم إلى جادة الصواب، فرفضوا واجتمعوا على قتاله، فقاتلهم في النهروان، وقتل الكثير منهم،وكان من شروطهم على الإمام علي أن يعلن أنه كفر بالله، لقبوله التحكيم ثم يعاود الإسلام ليرجعوا عن قتاله، فقال لهم علي:” كيف أكفر وأنا أول من أسلم”؟
أكتفي بهذا القدر.

دمتم سالمين وفي أمان الله
* كاتب كويتي
MSHAI.AISaed@gmail.com