مختصر مفيد

أسلوب ترامب في حل خلاف الكوريتين مختصر مفيد

أحمد الدواس

احمد الدواس

كنا ندرس العلوم السياسية والاقتصاد بين عاميّ 1969 و1970 فسأل أحد الطلاب الاستاذ الجامعي: “دكتور، هل تقع الحرب النووية بين أميركا والاتحاد السوفياتي؟ أجاب الاستاذ بالنفي، قائلاً: كلا، لن يحدث ذلك”.
الاستاذ شرح لنا رأيه فقال: “إن أي ضربة نووية يوجهها خصم لخصم نووي آخر، فان بمقدور الخصم المتضرر أن يمتص الضربة الأولى ويوجه لخصمه المعتدي ضربة نووية أخرى”، (انتهى كلامه).
ولعلنا نتذكر أنه قبل سنوات فجرت الهند قنبلة نووية فقامت باكستان وعلى الفور بتفجير قنبلتها النووية، أي أصبح الوضع بين البلدين في حالة التوازن النووي، لذلك يمتنع الطرفان عن ضرب أحدهما الآخر فيتحقق السلم بينهما، وما ذكرناه هو نظرية في العلوم السياسية تُسمى بـ”نظرية التوازن النووي” أو “الردع النووي”، فلن تنشب الحرب النووية (ان ضربتمونا نضربكم).
في أواخر شهر أغسطس 2017 كانت كوريا الشمالية تهدد بضرب أميركا بالسلاح النووي، بدأت بالقول أنها ستضرب جزيرة غوام الأميركية الواقعة شرق اليابان، لأن بها قواعد عسكرية أميركية، أو بضرب ألاسكا، أو حتى بقصف الساحل الغربي لأميركا، وقد أثار هذا التهديد أميركا فصرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه سيقصف كوريا الشمالية إن فعلت ذلك.
كنا أشرنا في سبتمبر 2017 في مقالة توقعنا فيها عدم نشوب حرب نووية بين أميركا وكوريا الشمالية، بسبب فكرة الردع النووي، وقد صدقت التوقعات.
بمرور الوقت مارست أميركا ضغطاً اقتصادياً على كوريا الشمالية، وكذلك على الصين ماجعل رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون يغير موقفه 180 درجة لمصلحة السلام في شبه الجزيرة الكورية، ويقول يوم الجمعة 27 إبريل الماضي: “أنا ليس الشخص الذي يطلق السلاح النووي على كوريا الجنوبية أو على منطقة الباسفيك أو على الولايات المتحدة”، وفي اليوم نفسه اجتمع الرئيسان الكوريان الشمالي والجنوبي عند نقطة الحدود الفاصلة بين بلديهما وساد الارتياح عواصم العالم.
ما الذي حدث؟
ورد في أحد التحليلات السياسية الأميركية المرموقة “هناك أسباب تجعل الرئيس الكوري الشمالي يخضع وينصاع للضغوط الأميركية التي تمارس عليه، منها تهديد الرئيس ترامب كوريا الشمالية وإرسال بعض حاملات الطائرات الأميركية كي تجوب البحر بالقرب من سواحل الكوريتين، ثم إن العقوبات الأميركية استنزفت أموال كوريا الشمالية فانخفضت احتياطياتها من العملة الأجنبية بحلول شهر اكتوبر الماضي، هناك أيضا فرار المظلي الكوري الشمالي الذي هرب من بلاده وتبين من التحقيق معه أن الجيش الكوري الشمالي لا يستطيع إطعام جنوده، ومن دون المال لن يستطيع كيم إطلاق الصواريخ أو يحتفظ بزعامة البلاد لأنه في العادة يشتري الولاء بتقديم مزايا مادية لكبار قادة النظام، لذلك فان العقوبات كانت توجه ضد كيم حتى ينصاع ويجلس على طاولة المفاوضات.
واستمرت العقوبات المالية على كيم لتجعله يقدم تنازلات، بل ان اميركا مارست ضغطاً على حليفته الصين، فترامب هدد باستهداف البنوك الصينية، وهي نقطة ضعف لدى بكين، فمن خلال البنوك الصينية يحصل الشعب الكوري الشمالي على المال، وكانت اميركا تتساهل ولا تطبق قوانين غسل الأموال ضد كبار المؤسسات المصرفية الصينية، مثل بنك الإنشاء الصيني وبنك الصين الزراعي وبنك الصين التجاري والصناعي، وهذه المصارف تتعامل مع كوريا الشمالية، وهذا ما يجعل هذه البنوك الصينية عرضة لغرامات أميركية تقدر مابين مئة مليون دولار الى مليار دولار حسب القانون الأميركي أو يقطع اتصال هذه البنوك الصينية مع النظام المصرفي العالمي، وهو ما يعتبر بمثابة عقوبة إعدام لهذه البنوك، وربما للنظام المصرفي الصيني الهش، وللأنظمة المالية عموما، كما ان الصين تستثمر في أراضي كوريا الشمالية وتستورد منها معادن الحديد.
وهكذا فترامب يهدد الصين اقتصادياً لتضغط على كوريا الشمالية، فإذا تعرضت الصين لأزمة تجارية ومالية حادة مع أميركا، فان الخاسر هو الرئيس الكوري الشمالي الذي لا يملك خياراً سوى الرضوخ وتقديم التنازلات للولايات المتحدة”، وهذا ماحدث في الأيام الماضية.