أسماء بنت أبي بكر الصديق زوجات صالحات 13

0

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة أسماء، والدها أبو بكر الصديق، ثاني اثنين إذ هما في الغار، ورفيق النبي “صلى الله عليه وسلم” على طريق الهجرة، والدتها قتيلة بنت عبد العزي، وزوجها الصحابي الجليل الزبير بن العوام، الفارس المقدام، ومن السابقين الأوائل للإسلام، وأختها لأبيها أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنهما، وأما ابنها فهو عبد الله بن الزبير أول مولود للمهاجرين إلى المدينة المنورة.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبي في كتابه « المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم «برز دور أسماء منذ أشرقت شمس الدعوة إلى الإسلام، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقل يوم كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا ، فخبر به أبو بكر، فقال : ما جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل عليه قال لأبي بكر :» أخرج من عندك» قال : يا رسول الله، إنما هما ابنتاي ، يعنى: عائشة وأسماء. قال :» أشعرت أنه قد أذن لى في الخروج؟»، قال : الصحبة يا رسول الله؟ قال الصحبة يا أبا بكر»، قال : يا رسول الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج فخذ إحداهما قال :» قد أخذتها بالثمن» .
ولما غطى الظلام أحياء مكة، أمر رسول الله “صلى الله عليه سلم” علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه، وسلمه ما لديه من الأمانات ليردها إلى أصحابها، ثم انطلق بصحبة أبي بكر إلى غار بجبل ثور فدخلاه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار قريش وتحركتها ، أما أسماء فكانت تأتى إلى الغار بالطعام والشراب، حتى خرجا إلى يثرب.
وتروي أسماء رضى الله عنها قصة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: صنعت سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، قالت : فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقى قال : فشقيه باثنين فاربطيه بواحد السقاء وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سميت «ذات النطاقين». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة”.
وصحت قريش فلم تجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أثرا ولا لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنها أثرا، تقول أسماء : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوفقوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم ، فقالوا : أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ فقالت أسماء : والله، لا أدرى أين أبي قالت : فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدى لطمة خر منها قرطى، قالت: ثم انصرفوا، فمضى ثلاث ليال، ما ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم علمنا أنه قصد المدينة ومعه أبي وعامر بن أبي فهيرة مولى أبي وعبدالله بن أريقط دليلهم .وكانت أسماء معتزة بدينها، وملتزمة بأحكامه، وقد دفعها ورعها إلى سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عما إذا كان يجوز لها أن تستقبل أمها وهى على شركها، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أسماء قالت : قلت : يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أو راهبة أفأصلها؟، قال :» نعم» .
وبعد أن أدى على بن أبي طالب أمانات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهلها، خرج بآل النبي صلى الله عليه وسلم وخرج عبد الله بن أبي بكر بزوج أبيه أم رومان وأختيه عائشة وأسماء مهاجرين إلى المدينة، وكانت أسماء تحمل في بطنها مهاجرا صغيرا. وما كان يستقر مقامها في المدينة في المدينة حتى وضعت مولودها، فحملته أختها عائشة رضى الله عنها وانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكنه وسماه عبدالله.
عاشت أسماء مع الزبير عيشة فقر وكفاف، وأرهقتها أعمال البيت وسياسة فرس زوجها الزبير، وفوق ذلك كان زوجها يشتد في معاملته، ولم شكت ذلك إلى أبيها الصديق رضى الله عنه أوصاها بالصبر.
ثم ما لبث وضع الزبير أن تحسن، وفاض المال بين يديه، ولم يغير المال طبع ذات النطاقين فكانت كريمة كثيرة الصدقة، وإذا نزل بها المرض ثم شفيت كانت تبادر إلى إعتاق مواليها وعبيدها شكرا لله، واعترافا له بالفضل، وكانت توصى أولادها بالبذل والإنفاق، وتقول لهم :» أنفقوا، وتصدقوا، ولا تنتظروا الفضل».
ولقنت نصيحة أبيها لها بالصبر إلى أولادها، وزرعت في نفس ولدها عبدالله مكارم الأخلاق، كان الزبير يردفه خلفه حين يخرج للقاء المشركين حتى يتعلم فنون القتال، ويحذق الفروسية، وكان يتلقى من أبيه أبلغ دروس الكرم، ويشهد معه أساليب المناجزة والنزال، وأما أسماء فكانت تذكى في ابنها روح الحماسة لنصرة دين الله، والوقوف مع الحق في كل آن.
وذات يوم اختلفت أسماء والزبير فضربها، فاستغاثت بابنها عبدالله، ولما أراد الدخول عليهما قال له أبوه:إن دخلت فأمك طالق، ودخل عبد الله لينجدها، فبانت وتم الفراق.
وأقامت أسماء مع ابنها عبدالله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرعاها ويغدق عليها من علمه وهديه ودعائه، وأصابها ورم في عنقها ذات مرة، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة عليه فشفاها الله، وكانت الصدمة الكبرى لأسماء يوم انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد حزنت عليه أشد الحزن لرحمته بها، وعطفه عليها، وانهد برحيله ركن شديد كانت تستند إليه، ثم لم تلبث أن فقدت ركنها القوى الثاني يوم رحل والدها الصديق رضي الله عنها.
أخذت أسماء تقطع أيامها مع ولدها عبدالله الرجل الذى صنعته على عينها، وغذته بالشمائل المحمدية، وتوالت الأيام، وكبر الفارس المقدام، وأصبح عبدالله رجلا ذا رأي حازم، وسيف صارم.
وفي زمن الحجاج يذكر لأسماء مقولتها الخالدة لأبنها عبد الله بن الزبير حين دخل على أمه، وقد كانت فقدت بصرها فأخبرها أن يخشى أن يمثل الحجاج بجثته بعد قتله فقالت له يا ولدي، لا يضر الشاه سلخها بعد ذبحها.
ولما قتل الحجاج ابنها عبدالله بن الزبير وكانت عجوز، علق الجثة في مدخل المدينة، ومرت عليها ذات يوم وقالت أما آن لهذا الراكب، فأنزله الحجاج لها لكي تدفنه، ثم لحقت أسماء رضي الله عنها بالشهيد عبد الله بن الزبير للقاء ربها وهي صابرة محتسبة ومطمئنة لقضاء الله.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

اثنا عشر + اثنا عشر =