أسماء بنت زيد زوجات صالحات (13)

0

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته – حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة أسماء، والدها يزيد بن السكن، والدتها أم سعد بنت خزيم الأشهلية، زوجها أبو سعيد الأنصاري سعيد بن عمارة، والصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه ابن عمها.
كانت أسماء من ذوات العقل والدين، فصيحة اللسان، لم تصل كثيرا من النساء إلى مثل بلاغتها، وقوة تعبيرها، وكانت تتمتع بحس مرهف، وعاطفة رقيقة، ومحبة للجهاد، وبرعت في الخطابة حتى سميت بـ «خطيبة النساء».
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبي في كتابه « المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم: انتسبت أسماء إلى مدرسة أبي القاسم رضي الله عنه، ودخلت روضة الإسلام فجنت من أزاهيرها كل شذى، وقطفت من وردها كل ندى، ودفعها حبها للجهاد إلى تعلم الفروسية، حتى برعت فيها، وأصبحت جرأتها وشجاعتها مضرب المثل، وقد أدى بها ذلك إلى رسوخ عقيدتها، وثبات معتقدها، والتصدي للدفاع عن النساء إذا كان الحق إلى جانبهن.
وأسلمت أسماء على يد مصعب بن عمير سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لتعليم أهلها القرآن، وأحكام الإسلام.
وفي السنة الأولى للهجرة قدمت أسماء مع وفد النساء اللواتي أتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمبايعته، وهناك نبهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حكم شرعي، فكانت سرعت استجابتها لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على قوة إيمانها، روى الإمام أحمد، عن أسماء بنت يزيد، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه فدنوت وعلي سواران من ذهب، فبصر ببصيصهما ، فقال: « ألقِ السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك الله بسوار من نار؟» فقالت: فألقيتهما فما أدرى من أخذهما.
وباتت أسماء تكثر التردد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أكان في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها أم في المجالس التي يعقدها لصحابته الكرام رضي الله عنهم لتأخذ عنه الحديث الشريف وأحكام الفقه، حتى وإن بدا لبعض الجهال أن في أسئلتهما شيئا من الحرج، ولما كان العلم بالتعلم فلتسأل عما تشاء لتستكمل أمور دينها ثم تنقلها إلى غيرها ممن لم يؤتون من العلم إلا قليلا.
وقد استأذنت ذات مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في جماعة من أصحابه يستقون من منهله ويتعلمون مما علمه الله، فلما أذن لها، وكان صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا رسول الله من ورائي من جماعة من نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي، وعلى مثل، إن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، ونحن- معاشر النساء- مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، مواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، والجهاد في سبيل الله، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم، وغزلنا أثوابهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: « هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟» فقالوا: لا، والله يا رسول الله، ما سمعن مثل ذلك، وما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انصرفى يا أسماء، واعلمي من وراءك من النساء، أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كل ما ذكرت للرجال»، فانصرفت أسماء وهي تردد: الله أكبر، لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، استبشارا بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكنت نفسها إلى عدالة الإسلام، ورحمته، وسمو تشريعه.
وأسرعت إلى صواحبها بما قاله لها نبي الرحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمتهن بحفظ الإسلام لكرامتهن وحقوقهن.
وكانت أسماء كلما حظيت بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبست شعاعات من شمس هداه، وازدادت علما مما علمه الله، حتى إذا غادرت مجلسه لم تزل منتشية بكلامه العذب الذى يدخل القلوب قبل الآذان، ويمتع البصائر قبل النواظر، وذلك الفضل من الله، وكان فضل الله عليه عظيما.
وكانت أسماء لا تكف عن السؤال والاستفسار عن كل ما يكمل دينها، فقد روى الإمام مسلم عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء بنت يزيد سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض، فقال: “تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها»، فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: “سبحان الله! تطهرين بها» واستتر.
فقالت عائشة كأنها تخفى ذلك: تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة، فقال: “تأخذ ماء فتطهر، فتحسن الطهور- أو تبلغ الطهور- ثم تصب على رأسها فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء».
فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
ومن مناقب أسماء أن الله تعالى جعل البركة في طعام قدمته للنبي صلى الله عليه وسلم، وها هي رضي الله عنها تحدث عن تلك الكرامة فتقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجدنا المغرب، فجئت بعرق وأرغفة، فقلت: بأبي أنت وأمي تعش، فقال لأصحابه: “كلوا باسم الله”، قالت: فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان حاضرا من أهل الدار، فوالذي نفسي بيده لرأيت بعض العرق لن يتعرقه، وعامة الخبز، وإن القوم أربعون رجلا، ثم شرب من ماء عندي في شجب، فدهنته وطويته، فكنا نسقي منه المريض، ونشرب منه في الحين رجاء البركة.
وكانت أسماء بنت يزيد رضي الله عنها من أكثر نساء الأنصار حفظا ورواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روت واحدا وثمانين حديثا، وروى عنها ابن ماجة والنسائي وأبوداود والترمذي وغيرهم من الرواة.
وهداها عقلها الراجح وفهمها لدينها إلى ضرورة مشاركة المرأة في الجهاد إلى جانب الرجل، وقد نفذت في معركة اليرموك ذلك حين خرجت مع جماعة من النساء، فكن يسقين الماء، ويناولن السلاح، ويضمدن الجراح، ولم تكتف بذلك بل انتزعت عمود الخيمة واندفعت به بين صفوف أعداء الله من الروم، وباتت تضربهم عن يمين وشمال وقضت بمفردها على تسعة من جنود العدو. ولم تستطع أسماء أن تتفادى بعض الجراح غير الخطيرة خلال هذه المعركة الضارية التي خاضتها، وقد منّ الله تعالى عليها بالشفاء بعد علاج قصير الأجل.
واستمرت حياتها سبعة عشر عاما بعد معركة اليرموك أنفقتها في فعل الخيرات، والحض عليها حتى حضرتها الوفاة، رحمها الله تعالى، ورضي عنها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

عشرة + عشرين =