أسماء بنت عميس زوجات صالحات (2)

0

إعداد – أماني أحمد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته -حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

إعداد – أماني أحمد:

الصحابية الجليلة أسماء بنت عميس بن سعد، أمها هند بنت عوف، أختها أم المؤمنين ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأختها لبابة أم الفضل زوج العباس رضي الله عنهم وأختها سلمى زوج حمزة رضي الله عنهم.
تزوجت أسماء رضي الله عنها جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين، وهاجرا معا إلى الحبشة فرارا بدينهما من قريش وإيذائها للمسلمين، وفي الحبشة أنجبت له ثلاثة أولاد هم: محمد، وعبدالله، وعون. وكانت سيدة بيت وزوجة صالحة تقوم على رعاية شؤون زوجها وأبنائها ولا تنفك عن عبادتها وتقواها.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبي في كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم”: كان “رسول الله صلى الله عليه وسلم” شديد الحب والتقدير لجعفر بن أبي طالب ودائما يقول له: “أشبهت خَلقي وخُلقي” وشهد “رسول الله صلى الله عليه وسلم” لأسماء وأخواتها بالإيمان حين سماهن “الأخوات المؤمنات”، وهل هناك أرفع من وسام الإيمان يسمو إليه عاقل في هذه الحياة؟ وكان لها ولأخواتها أثر كبير في الدعوة إلى الله قولا وعملا وسلوكا ونشر دينه في أوساط النساء .
ولما استقر مقام أسماء بنت عميس وزوجها جعفر بن أبي طالب في المدينة المنورة، بات جعفر لا يتخلف عن مشهد أو غزوة مع “رسول الله صلى الله عليه وسلم” حتى اختاره “رسول الله صلى الله عليه وسلم” أحد ثلاثة أمراء للجيش الذي جهزه للقاء الروم فى مؤتة.
روى الإمام أحمد في مسنده عن خالد بن سمير، قال : قدم علينا عبدالله بن رباح فوجدته قد اجتمع إليه ناس من الناس، قال حدثنا أبو قتادة فارس “رسول الله صلى الله عليه وسلم” قال : بعث “رسول الله صلى الله عليه وسلم” جيش الأمراء، وقال : “عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة الأنصاري”. ولكن كيف علمت أسماء باستشهاد جعفر رضي الله عنه؟ روى الإمام أحمد عن أم عيسى الجزار، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخلت على “رسول الله صلى الله عليه وسلم” وقد دبغت أربعين منيئة، وعجنت عجيني، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، فقال “رسول الله صلى الله عليه وسلم” :” ائتيني ببني جعفر”، قالت: فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: “يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟”، قال: “نعم، أصيبوا هذا اليوم”، قالت: فقمت أصيح واجتمع إلى النساء.
وخرج “رسول الله صلى الله عليه وسلم” إلى أهله فقال: “لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم”.
واجتمع النساء إلى أسماء يهدئن من روعها وجزعها على خبر نعي زوجها، فجعل “رسول الله صلى الله عليه وسلم” يقول :” يا أسماء، لا تقولى هجرا، ولا تضربي صدرا”، ثم قال :” تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت”. ولما كان يوم حنين ذهبت أم رومان زوج الصديق رضي الله عنهما إلى لقاء ربها، فجاء الصديق إلى أسماء يخطبها، ومثل أبي بكر لا يرد، فمكارمه أكثر من أن تعد. ودخلت أسماء بيت أول من اكتحلت عيناه بنور الإيمان، فمنحها وأولادها كل ما لديه من الحب والحنان، وأثمر زواجهما عن ولادة محمد ابن أبي بكر الصديق أثناء طريقهما لحجة الوداع.
وكانت أسماء شريكة الصديق في أفراحه وأتراحه، وكان أقسى ما تعرض له الزوجان الوفيان انتقال الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وانقطاع الوحي.
وأول أزمة صادفها الصديق بعد اختياره خليفة للمسلمين إتمام بعث أسامة بن زيد، فقد طلب بعض الصحابة أن يكون أمير الجيش من هو أسن من أسامة، ولكن ما كان الصديق رضي الله عنه لينقض ما أمر به “رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وخرج بنفسه يشيع جيش أسامة رضي الله عنه. ثم انفجرت أزمة أخرى افتعلها المرتدون حين امتنعوا عن أداء الزكاة، ولكن الجيوش التي جيشها الصديق لمحاربتهم والعزيمة الراسخة التي واجههم بها قوضت أحلامهم وقضت على أمالهم. ولما شعر أبوبكر بدنو أجله أوصى أسماء التي لم تكن تفارق فراشه أن تغسله بنفسها، وأقسم عليها أن تفطر إذا حضرته الوفاة لأن الإفطار أقوى لها.
وحين أزف الرحيل، بدا وجه الصديق كأنه شعلة من نور، فضمته أسماء إلى صدرها برقة وحنان، وراحت تتلو على مسامعه بعض آيات القرآن لتمنحه السكينة والاطمئنان، ولم يلبث أن فارق الحياة، رحمه الله تعالى، وأحسن إليه، ورضي عنه. وكانت أسماء صائمة فأفطرت لتبر بقسم بعلها الحبيب، وغسلته كما أوصاها، فكانت نعمة الزوجة له في حياته وبعد مماته.
واستمر عراكها مع الحياة من أجل تنشئة بنيها الثلاثة. وأراد علي بن أبي طالب أن يخرجها من وحدتها، والأحزان التي انتابتها من جراء قتل الراشدين عمر وعثمان فتقدم لخطبتها، وتزوجا. وانتقلت أسماء مع بنيها إلى دار أبي الحسن أمير المؤمنين، فكانت له سندا وعونا تضيف حكمتها إلى حكمته، وتشاطره الأفراح وتقاسمه الأحزان. ويقال أنها ولدت له ولدين هما يحيى وعون.
وكانت أسماء شديدة الذكاء ومما يروى فى هذا الصدد أن ولدى أسماء :” محمد بن جعفر”و”محمد بن أبي بكر” تفاخرا يوما، فقال أحدهما للآخر: أبي أكرم من أبيك، فرد عليه الثاني بمثل ما قال الأول، وكادا أن يختصما. وكان علي وأسماء يسمعان، فقال علي لـ”أسماء”! اقضي بينهما فقالت: ما رأيت شابا من العرب خيرا من جعفر، ولا رأيت فيهم كهلا خيرا من أبي بكر!” وتوقف الشجار بين الأخوين، فتعانقا وعادا إلى اللعب كأنهما حميمان قديمان .
ووقف أمير المؤمنين مبهورا أمام حسن قضائها، ونظر إلى فرحة النصر على وجهها، ثم قال: ما تركت لنا شيئا يا أسماء ! ولكن الذكاء الذي أسعفها هناك لم يخنها هنا، فقد استجمعت شجاعتها وقالت له بأدب جم: يا أمير المؤمنين، إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار وغمرت أبا الحسن الفرحة، فقد كانت أسماء جديرة أن تكون زوج خليفة المسلمين، ووزير صدق لأمير المؤمنين.
وذات صباح توجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأداء صلاة الفجر في المسجد فبرز له عدو الله عبدالرحمن بن ملجم وضربه بسيفه المسموم، فأورده حتفه، واستبد الحزن بأسماء، ثم قهرها المرض، ولم يطل بها حتى فارقت الحياة، رحمها الله وأحسن نزلها ورضي عنها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

14 − ثمانية =