أشياء كثيرة تعين المؤمن على تدبر كلام الله وفهم أبعاده مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (22)

0 8

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الدكتور خالد بن عثمان السبت في كتاب “الخلاصة في تدبر القرآن الكريم”، أن هناك جملة من الأمور المعينة على تدبر آيات الذكر الحكيم، على رأسها استحضار عظمة المتكلم بالقرآن، فإذا كان الإنسان يتمعن كثيرا حينما يقرأ خطاب من يعظمه من البشر، ويقف مع كل حرف فيه، ويتأمل في مضامينه، فإن كلام الله تعالى أولى بذلك، وأحق لدى أصحاب القلوب الحية. وقال ابن قدامة: وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه؛ فإن التدبر هو المقصود من القراءة”، فإذا كان كلام العالم أولى بالاستماع من كلام الجاهل، وكلام الوالدة الرؤوم أحق بالاستماع من كلام غيرها، فالله أعلم العلماء وأرحم الرحماء، فكلامه أولى كلام بالاستماع، والتدبر، والفهم.
وقال الحارث المحاسبي في كتاب العقل وفهم القرآن”: إذا عظم في صدرك تعظيم المتكلم بالقرآن، لم يكن عندك شيء أرفع، ولا أشرف، ولا أنفع، ولا ألذ، ولا أحلى من استماع كلام الله عز وجل، وفهم معاني قوله تعظيما وحبا له، وإجلالا؛ إذ كان تعالى قائله، فحب القول على قدر حب قائله”.
كذلك ما يساعد على حسن تدبر القرآن ما ينبغي أن تكون علىه تصوراتنا ونظرتنا للقرآن، فالنظرة القاصرة، وفساد التصور تجاه القرآن الكريم، يقعدان صاحبهما عن تدبر كتاب الله تعالى، وطلب الهدى منه، وذلك حينما ينظر بعضهم إلى القرآن باعتبار أنه مجرد كتاب مقدس يتلى لتحصيل الأجور، وربما لمجرد تحصيل البركة، فيضع المصحف في بيته أو مركبته، أو أنه ملجأ أرباب العلل والأدواء فيسترقون به لكشف ما ألم بهم، أو أنه إنما يقرأ مجرد قراءة في المآتم أو افتتاح بعض المناسبات، أو أنه نزل ليعالج بيئة متخلفة يعبد أهلها الأصنام، فدعاهم إلى تركها وعبادة الله وحده دون ما سواه، فهو يعالج تلك الحقبة الغابرة، ولا تعلق له بالواقع المعاصر وتعقيداته!! إلى غير ذلك من التصورات الضيقة.
فمن كانت هذه نظرته إلى هذا الكتاب، فلا يظن به أنه سيقبل عليه بتدبر وتفهم؛ ليستخرج من كنوزه وهداياته؛ إذ الناس- كما قيل- أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم. والله تعالى قد وصف هذا الكتاب بقوله: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ”، “سورة النحل الآية: “. واتل بفهم كتاب الله فيه أتت كل العلوم تدبره ترى العجبا.
فينبغي النظر إليه باعتبار أنه كتاب هداية: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ”، “سورة الإسراء الآية: 9″، يحيي الله به موتى الأرواح: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”، “سورة الأنعام الآية: 122″، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ”، “سورة الأنفال الآية: 24 “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ”، “سورة إبراهيم الآية: 1″.

أعظم الكنوز
يؤكد الحافظ ابن القيم الجوزي في كتاب مدارج السالكين”، أنه: هو أعظم الكنوز، طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار معانيه”. فتدبر القرآن إن رمت الهدى فالعلم تحت تدبر القرآن. وإذا أردت أن تعرف عظمة هذا القرآن، وتأثيره في النفوس والمجتمعات، فتأمل ما وصفه الله تعالى به في مواضع كثيرة، حيث وصفه بأنه كريم، وحكيم، وعظيم، ومجيد، ومبارك، وعزيز، ومهيمن، وعلى، وهدى، ورحمة، وشفاء، ونور، وذكر، وموعظة، وروح، وتفصيل كل شيء، وبصائر، وأنه حق، وبرهان، إلى غير ذلك من الأوصاف.
كما سماه بالفرقان؛ لأنه يفرق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، وبالقرآن؛ لأنه جمع ثمرة الكتب قبله. فالواجب أن يقبل المسلم على كتاب ربه إقبال يليق بهذا القرآن العظيم، ويعرف أنه سيق لهداية الخلق كلهم، عالمهم وجاهلهم، حضريهم وبدويهم… فمن وفق لذلك لم يبق علىه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه، وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه، ولوازمه وما تتضمنه… وما يدل عليه منطوقا ومفهوما، فإذا بذل وسعه في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح علىه من علومه أمورا لا تدخل تحت كسبه. وقال الخواص: قلت لنفسي: يا نفس اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة”.
فعلى المؤمن أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء، علم أن السمر غير مقصود، وإنما المقصود أن يعتبر بها، ويأخذ من تضاعيفها ما يحتاج إليه، وإذا قصد بالخطاب جميع الناس، فهذا القارئ الواحد مقصود، فما له ولسائر الناس، فليقدر أنه المقصود؛ قال تعالى: “قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”، “سورة الأنعام الآية: 19″.
وقال ابن القيم: وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن، فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه، ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه، وازدلفت إليه بأيهما يبدأ، فما شئت من علم وحكمة، وتعرف وبصيرة، وهداية وغيرة”. فإذا استجمع هذه الأمور فإن ذلك يقوده إلى حسن التدبر وصدق الطلب والرغبة، وقوة الإقبال على كتاب الله، عز وجل.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.