أصحاب السبت… أخذتهم حيتانهم إلى عذاب بئيس ليكونوا عبرة حضارات بائدة في آيات خالدة

0 55

إعداد – نورة حافظ:

على مر الأزمنة، تأتي حضارات وتنتهي، لتحل محلها حضارات أخرى، وكم من حضارات زالت ولم يعد لها وجود، وزالت معها اسماؤها وشعوبها، وقد تناول القرآن بعض هذه الحضارات ولولاه لما عرف الكثيرون عنها شيئا، يقول تبارك وتعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص 58]. وفي هذه الحلقات اليومية تتناول ” السياسة ” قصص هذه الحضارات والشعوب التي ذكرها القرآن في آياته الخالدة.

يقول تعالى: “وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” (الأعراف 163، 164).
كان اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يميزون أنفسهم على الجميع بأنهم كانوا وأسلافهم أهل التزام وطاعة لله، لا يوجد بينهم عاصون أو جاحدون لفضل الله على مدار عهدهم بالدين، فأمر الله رسوله أن يذكر لهم، ويذكرهم بكذبهم وتضليلهم علهم ينتصحون بقصة القرية التى كان بعض سلفهم يعيشون فيها، وكانت قريبة من البحر.
ولم تجمع الدراسات على اسم أو زمان محدد لهذه القصة، الا أن بعض الروايات ذكرت اسم القرية القرية” آيلة ” الواقعة على البحر الأحمر بين طور ومدين وأن أحداثها وقعت في زمن سيدنا داوود عليه السلام، وإن كان المقصود من القصص القرآنى أخذ العظة والعبرة من السابقين وليس تفاصيل المكان أو الزمان، وكذلك للتسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
كان بعض أصحاب هذه القرية من المنشغلين بأمر الدنيا،منصرفين عن العبادة، يعيشون لمتعهم فأراد الله ردهم إليه ردا جميلا، فأمرهم بتخصيص يوم السبت للعبادة فقط وحرم عليهم الانشغال بأى أمر آخر أو الخروج للصيد في هذا اليوم، وعظم الله الابتلاء عليهم ليميز المحسن الطائع من المسيء العاصي، فقد كانت الأسماك “الحيتان” تظهر بكثرة على وجه الماء يوم تفرغهم للعبادة، ولا تأتيهم في الأيام الأخرى التى أحل لهم العمل فيها.
طال عليهم الأمد واشتاق أصحاب النفوس الضعيفة لصيد السمك وأكله، فلجأ أحدهم كعادتهم الى المكر والحيلة، فخرج سرا وأخذ حوتا يوم السبت وربطه بخيط، ثم أرسله في الماء وقد ربط الخيط في وتد على الشاطئ ثم تركه، فلما كان الغد ذهب وأخذ الحوت وأشبع شهوة بطنه بأكله، ثم أعاد الكرة في السبت الذى يليه.
انكشفت قصة الرجل فقلده بعض القوم، ثم تمادوا في الأمر فجعلوا حياضا -أماكن ضحلة بالمياه في البحر- وحفروا الجداول يدخلها السمك فيحبس ولا يستطيع العودة إلى البحر مرة أخرى قبل نهاية السبت، ثم يصطادونه يوم الأحد المباح فيه الصيد، تضليلا ومكرا، ثم بالغوا في الاعتداء ففعلوا في الجهر ما كانوا يفعلونه في السر، فجعل الصالحون من أهل القرية ينصحونهم بالإقلاع عن صيد السبت والتوبة الى الله.
ولكن أبت قسوة قلوب المعتدين على نواهي الله إلا المعصية، وهنا انقسم أهل القرية إلى ثلاث جماعات، الأولى العاصية، والثانية التى نصحت لهم،أما الثالثة فقد أنكرت على الثانية نصح هؤلاء الأشرار وقالت لهم: لأى سبب تنصحون قوما الله مهلكهم بسبب ما يرتكبون أو معذبهم في الآخرة عذابا شديدا؟ فرد الناصحون من القوم: وعظناهم اعتذارا لله ورجاء أن يتقوا”.
لم يزد النصح الظالمين إلا جحودا وإعراضا ولم يردهم ما حدث لغيرهم من القرى التى أهلكها الله من قبل بظلمها، فحق العذاب المهين، فمسخ الله قلوب المخالفين وصاروا كالقردة في نزواتها وشهواتها وجعلهم الله مبعدين من رحمته، ومطرودين كالكلاب ينفر الناس من مجالسهم ويشمئزون من مخالطتهم.
وتقول بعض الروايات أنهم قبضوا على هذه الحال بعد ثلاثة أيام، وكما عذبوا في الدنيا ينتظرهم العذاب في الآخرة، أما من أطاعوا الله ونصحوا بطاعته فقد نجوا من عذاب الظالمين: “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ”. (الأعراف 166،165)، “فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ”. (سورة البقرة 66).

You might also like