محبرة وقلم

“أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها أثنتين صلّيت الضحى أم ثمانيا” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

هذا الشاعر شارد الذهن، مشغول البال، مشوش التفكير، فاقد للتركيز! فإذا صلى سنة الضحى سها ونسي كم ركعة صلى، هو يقول: لم أعد أدري أصليت الضحى ثماني ركعات أم ركعتين! ما سبب شرود ذهنه وسهوه في الصلاة؟ سبب ذلك الحب الكبير الذي وصل به إلى درجة الهيام، وإذا هام الرجل حبا بفتاة وصل إلى مرحلة متقدمة من العشق تصل في كثير من الأحيان إلى الجنون.
هذا الشاعر هو قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى، الذي أضر به العشق ضرراً بالغاً، والحقيقة أن قيس لم يكن مجنوناً، بل كان من عقلاء قومه بني عامر، محافظاً على أداء كل ما فرضه الله عليه، شاعراً متمكناً وسيطاً بين قومه، حسيباً نسيباً، عربياً صريحاً، اسمه: قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العامري، وقد ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رضي الله عنه وأرضاه) عام 26 هـ، وليلى العامرية محبوبته ابنة عمه وهي ليلى بنت مهدي بن سعد بن مزاحم بن عدس، وقيس أكبر منها بأربعة أعوام، وقد أحبها وأحبته وعندما بلغ مبلغ الرجال تقدم لخطبتها إلا أن والد ليلى رفض ذلك ورده لأمور كثيرة ذكرتها كتب التاريخ منها: خلاف وقع بين والده ووالد ليلى على ميراث، وأيضاً ذكره لليلى في أشعاره، وغير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها، ثم زوجها والدها من رجل موسر يدعى ورد بن محمد العقيلي، فسار بها إلى الشام، حينئذ هام المسكين قيس على وجهه في البراري يقول الأشعار فيها حتى أنست به وحوش الفلاة، فتارة يرى بنجد وتارة في الحجاز وحيناً بالشام، وكان أبوه شديد المحبة له، لذلك أخذه أبوه إلى بيت الله الحرام ووقف أمام الكعبة المشرفة وقال له: “أدع الله أن يشفيك من حب ليلى”، فتعلق قيس بأستار الكعبة وقال: “اللهم زدني لليلى حباً، وبها كلفا، ولا تنسني ذكرها أبداً”، فآيس أبوه منه، ومن أجمل أشعاره فيها قوله:
“أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها
اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
ومابي إشراك ولكن حبها
وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا
أعد الليالي ليلة بعد ليلة
وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها
وشابهه أو كان منه مدانيا
واخرج من بين البيوت لعلني
أحدث عنك النفس ياليل خاليا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
أراني إذا صليت يممت نحوها
بوجهي وإن كان المصلى ورائيا”.
روى صاحب الأغاني بسند متصل أن فتى خرج حتى إذا كان ببئر ميمون، وإذا هو بجماعة فوق بعض تلك الجبال، وبينهم فتى أبيض طوال جعد كأحسن من رأيت من الرجال، إلا أنه هزيل أصفر اللون، وإذا من معه متعلقون به، فسألت عنه فقيل لي: هذا قيس المجنون، خرج به أبوه يستجير له بالبيت الحرام، ثم يذهب به إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو لابنه عنده، لعل الله تعالى يكشف ما به فإنه يصنع بنفسه صنيعا يرحمه منه عدوه قبل صديقه، يقول: أخرجوني لعلني أتنسم صبا نجد، فيخرجونه نحو نجد ونحن نخاف أن يلقي بنفسه من الجبل، فإن شئت الأجر دنوت منه وأخبرته أنك أقبلت من نجد، فدنا الفتى منه وأقبلوا عليه وقالوا له: يا أبا المهدي، هذا الفتى أقبل من نجد، يقول: فنظر إلي وتنفس تنفسا ظننت أن كبده انصدعت، ثم جعل يسألني عن واد واد، وموضع موضع، وأنا أخبره وهو يبكي أحر البكاء ثم أنشأ يقول:
“ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا
لطول الليالي هل تغيرتا بعدي
وهل جارتانا بالبتيل إلى الحمى
على عهدنا أم لم تدوما على العهد
وعن أقحوان الرمل ما هو فاعل
إذا هو أسرى ليلة بثرى جعد
وعن علويات الرياح إذا جرت
بريح الخزامى هل تهب على نجد”
وروى الهيث بن عدي والعتبي قالا: مر قيس بزوج ليلى، وهو جالس يصطلي في يوم شات وبجانبه نار، وقد زار ابن عم له في حي قيس لحاجه، فوقف عليه وقال:
“بربك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى
رفيف الاقحوانة في نداها”.
فقال له: “اللهم إذا حلفتني فنعم”، فقبض قيس بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما تركهما حتى سقط مغشياً عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، وعض على شفته فقطعها، فقام زوج ليلى مغموماً بفعله متعجباً منه.
وذكر يونس النحوي قال: لما اختلط عقل قيس بن الملوح وترك الطعام والشراب، مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: إن قيسا اختلط وذهب حبك بعقله وترك الطعام والشراب، فلو جئته لرجوت أن يثوب إليه بعض عقله، فقالت ليلى: أما نهاراً فلا لأنني لا آمن قومي على نفسي ولكن آتيه ليلا، فأتته وقالت له: يا قيس، إن أمك تزعم أنك جننت من أجلي وتركت المطعم والمشرب!! فاتق الله وابق على نفسك، فبكى قيس وأنشأ يقول:
“قالت جننت علي «أيش» فقلت لها
الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
فبكت معه وتحدثا حتى كاد الصبح يسفر، ثم ودعته وانصرفت فكان آخر عهده بها، قال ابن المرزبان، قال القحذمي، لما قال قيس:
قضاها لغيري وابتلائي بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا”.
سلب عقله، وسمي المجنون لقوله «رواية ابن عائشة»:
“ما بال قلبك يا مجنون قد خُلعا
في حب من لا ترى في نيله طمعا
الحب والود نيطا في الفؤاد لها
فأصبحا في فؤادي ثابتين معا”.
وقال الأصمعي: “لم يكن قيس مجنوناً إنما جننه العشق، وأنشد له:
يسمونني المجنون حين يرونني
نعم بي من ليلى الغداة جنون”.
وهناك رواية أخرى لسبب تسميته بالمجنون رواها المدائني الاخباري قال: “لم يكن قيس مجنوناً، وإنما قيل له المجنون لقوله:
وإني لمجنون بليلى موكل
ولست عزوفاً عن هواها ولا جلدا
إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة
لتذكارها حتى يبل البكا الخدا”.
وحسب المراجع التي تابعتها، وهي مراجع موثوق بها، لم يكن قيس مجنوناً بمعنى الجنون، وانما كانت به لوثة وسهو بسبب حبه الشديد لليلى، قال ابن سلام صاحب كتاب “طبقات الشعراء”: “لو حلفت أن مجنون بني عامر لم يكن مجنونا لصدقت، ولكنه توله لما زوجت ليلى وأيقن اليأس منها، ألم تسمع قوله:
أيا ويح من أمسى تخلس عقله
فأصبح مذهوباً به كل مذهب
خليعاً من الخلان إلا مجاملا
يساعدني من كان يهوي تجنبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت
عوازب قلبي من قوى متشعب
اكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، وفي أمان الله

Mshal.AlSaed@gmail.com