أصل المحاسن نزاهة النفس عن الحرام حكايات عربية للعبرة والتسلية (7)

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيل من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواءً في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

قال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام وسخاءها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه.
ويقول شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي فى كتابه “المستطرف في كل فن مستظرف” أعلم أن الجود بذل المال وأنفعه ما صرف في وجه استحقاقه وقد ندب الله تعالى إليه في قوله تعالى: “لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ..” (آل عمران -92) قيل إن الجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد وقيل من أعطي البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضرر فهو صاحب إيثار وأصل السخاء هو السماحة وقد يكون المعطى بخيلا إذا صعب عليه البذل والممسك حيا إذا كان لا يستصعب العطاء.

لا أتزوج إلا كريماً
ولقد كان الكرم من الخصال التي تبحث عنها نساء العرب عند اختيار شريك الحياة، بل إن بعضهن فضلن الا يتزوجا إلا الرجل السخى الكريم، فيروى عبدالقادر بن عمر البغدادي في كتابه “خزانه الادب ولب لباب لسان العرب” أن امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجدعن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبدالله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.
فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.
فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.
فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي
عند الطعان إذا ما احمرت الحدق
وجاءت الخيل محمرا بوادرها
بالماء يسفح من لباتها العلق
والجار يعلم أني لست خاذلة
إن ناب دهر لعظم الجار معترق
هذا الثناء، فإن ترضى فراضية
أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟
وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بن لأم
ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى
ولا لبس النعال ولا احتذاها
وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:
فإن تنكحي ماوية الخير حاتما
فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همه
فكاك أسير أو معونة غارم
وإن تنكحي زيدا ففارس قومه
إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم
وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر
ولا جارف جرف العشيرة هادم
ولا متق يوماً إذا الحرب شمرت
بأنفسها نفسي كفعل الأشائم
وإن طارق الأضياف لاذ برحله
وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم
فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي
فإنا كرام من رؤوس أكارم
وأنشأ حاتم يقول:
أماوي قد طال التجنب والهجر
وقد عذرتني في طلابكم عذر
أماوي إن المال غاد ورائح
ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إني لا أقول لسائل
إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر
أماوي إما مانع فمبين
وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة
من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري
وأن يدي مما بخلت به صفر
أماوي إني رب واحد أمه
أخذت فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الأقوام لو أن حاتماً
أراد ثراء المال كان له وفر
أماوي إن المال مال بذلته
فأوله شكر وآخره ذكر
وإني لا آلو بمالي صنيعة
فأوله زاد وآخره ذخر
يفك به العاني ويؤكل طيبا
وما إن يعريه القداح ولا القمر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي
شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى
وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة
غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وما ضر جاراً ياابنة القوم فاعلمي
يجاورني ألا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلة
وفي السمع مني عن أحاديثها وقر
فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

14 + 8 =