محبرة وقلم

“أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

أي فتى هذا الذي أضاعه قومه، واضح جداً ثقته بنفسه، فهو في الكريهة ظاهر لا يخفى مكانه، ناهيك بسداده وكفايته في الثغور، اما الكريهة فهي الشدة في الحرب، عندما تشمر عن ساقها، وهي أيضا النازلة، اما الثغور فهي الحدود الفاصلة بين المسلمين والكافرين، لاشك انه يصف شجاعة مفرطة واقداما ما بعده اقد ام:
“أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسداد ثغر”
ليس ذلك فحسب، لم يكتف هذا الشاعر بما ذكرته لكم وانما قال:
وصبر عند معترك المنايا
وقد شرعت اسنتها بصدري
هو ذو صبر عند الاصطراع والاصطدام والاستماتة بالقتال، يتلقى الأسنة بصدره، بكل شجاعة وبسالة والسؤال: أمثل هذا الرجل يستحق ان يضيعه قومه؟ لا بارك الله بقوم لا يعرفون حق مثل هذا البطل، لنطالع بقية الابيات ثم نتعرف عليه:
كأني لم أكن فيهم وسيطا
ولم تك نسبتي في آل عمرو
أجرر في الجوامع كل يوم
فيالله مظلمتي وقهري
عسى الملك المجيب لمن دعاه
ينجيني ويعلم كيف شكري
فأجزي بالكرامة اهل ودي
واجزي بالضغينة أهل ضري
هذه الابيات من اشهر أبيات العصر الأموي، قالها هذا الشاعر وهو في سجنه للخليفة العاشر: همام بن عبدالملك بن مروان (105-125هـ)اما الشاعر فهو: عبدالله بن عمر بن عمرو بن أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبدشمس بن عبد مناف، المشهور بلقبه العرجي نسبة الى قرية من قرى الطائف كان له مالافيها، وكان من شعراء قريش المعدودين في عصر بني أمية عرف بالغزل والفتوة، واشتهر بشدة سخائه وكرمه، وهو خليفة الشاعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، ذكر انه خرج للغزو في جيش المسلمين وكان أمير الجيش مسلمه بن هشام بن عبدالملك فاصابت الناس مجاعة، فقال العرجي للتجار: اعطوا الناس وعلى ما تعطون، فلم يزل يعطي الناس ويطعمهم حتى أخصبوا، وبلغ مقدار ما ضمنه للتجار عشرين الف دينار، كان العرجي أفرس الناس وارماهم وابراهم بسهم، اما اسباب سجنه، فكثيرة منها هجاؤه محمد بن هشام المخزومي أمير مكة المكرمة وخال الخليفة هشام بن عبدالملك منها قوله:
ألا قل لمن أمسى بمكة قاطنا
ومن جاء من عمق ونقب المشلل
دعوا الحج لا تستهلكوا نفقاتكم
فما حج هذ العام بالمتقبل
وكيف يزكي الحج ومن لم يكن له
امام لدى تجميره غير دلدل
يظل يرائي بالصيام نهاره
ويلبس في الظلماء سمطي قرنفل
وقال فيه ايضا:
كأن العام ليس بعام حج
تغيرت المواسم والشكول
فمازال محمد بن هشام مضطغنا على العرجي حتى اخذه وقيده وضربه وحلق شعره واقامه للناس، ثم حبسه واقسم الا يخرج من السجن ما دام له سلطان، فقال العرجي معرضا بهشام بن عبدالملك.
سينصرني الخليفة بعد ربي
ويغضب حين يخبر عن مساقي
علي عباءة بلقاء ليست
مع البلوى تغيب نصب ساقي
ويغضب لي بأجمعها قصي
قطين البيت والدمث الرقاق
اعطى هشام اذنا صماء للعرجي ولم يعره اهتمامه، فمحمد بن هشام ابن خاله، فظل العرجي في سجنه حتى مات، بعد عذاب شديد، ثم يموت الخليفة هشام بن عبدالملك، ويتولى الخلافة الوليد بن يزيد بن عبدالملك، وكان مضغنا على محمد بن هشام وعلى اخيه ابراهيم بن هشام، فاحضرهما عنده بالشام، ثم دعا بالسياط، فقال له محمد: اسالك بالقرابة، قال: واي قرابة بيني وبينك؟ قال: فأسالك بصهر عبدالملك، قال: لم تحفظه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يضرب قرشي بالسياط إلا في حد، قال: ففي حد أضربك وقود، أنت أول من سن ذلك على العرجي، وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فما رعيت حق جده ولا نسبه، وأنا ولي ثأره، أضرب يا غلام، فضربهما ضرباً مبرحاً، وأثقلا بالحديد، ووجه بهما إلى أمير العراق يوسف بن عمر الثقفي بالكوفة، وأمره باستصفائهما وتعذيبهما حتى يتلفا، فعذبهما عذابا شديداً وأخذ منهما ما لا عظيما فماتا في السجن.
أعود إلى العرجي وأقول: رغم شهرته الواسعة لم يذكر أحد المؤرخين السنة التي ولد فيها والسنة التي مات فيها، والظن أنه ولد بحدود ستين للهجرة، وأن وفاته سنة مئة وعشرين، ومن الغرائب التي تروى بعد وفاة العرجي بسنين ان الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله كان له جار ذو حرفة، يعمل نهاره كله، وإذا عاد إلى منزله عشاء، يشرب الخمر، حتى تأخذ منه الخمر مأخذها، ثم يبكي ويظل يردد قول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا…
ليوم كريهة وسداد ثغر
ولايزال هذا دأبة حتى يغلبه النوم، وكان أبو حنيفة يقيم ليله ويسمعه، وفي ليلة من الليالي فقد صوت جاره، فلما صلى الفجر سأل عنه، فقيل له: أخذه العسس، فركب بغلته وذهب إلى أمير الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، فلما أخبر بقدوم أبي حنيفة، أمر حرسه بأن يدخلوه وهو على بغلته حتى يطأ بساطه إجلالا له، ثم أجلسه الأمير إلى جانبه وسأله عن حاجته؟ فأخبره بأن جاره أخذه العسس ليلة البارحة، وأنه جاء ليشفع له، فأخرج الأمير عيسى جاره وكل من في السجن إكراما لأبي حنيفة، فخرج وجاره معه، والتفت الإمام إليه وقال: هل أضعناك ياجار؟ قال: لا يا سيدي بل حفظت الجيرة ورعيتها، فجزاك الله عني كل خير، وتاب من الخمر على يد أبي حنيفة، وقد وردت هذه القصة في أوائل عصر الدولة العباسية، ووردت في أهم المراجع التاريخية والإسلامية مثل : تاريخ ابن كثير، ووفيات الأعيان لابن خلكان وغيرها، ومن جميل أشعار العرجي قوله:
يادار عاتكة التي بالأزهر…
أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر
لم ألق أهلك بعد عام لقيتهم…
ياليت أن لقاءهم لم يقدر
بفناء بيتك وابن مشعب حاضر…
في سامر عطر وليل مقمر
مستشعرين ملاحفا هروية…
بالزعفران صباغها والعصفر
فتلازما عند الفراق صبابة…
أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر
انظر إلى بديع تصوير العرجي في بيته الأخير، والأزهر الذي ذكره على ثلاث من الطائف، وبن مشعب مغن من أهل مكة عرف بجمال الصوت وحسن صورته.

اكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله
*كاتب كويتي
[email protected]

Print Friendly