الظاهرة بدأت في الانتشار بالكويت بداية من إشارات المرور وليس نهاية بورش إصلاح السيارات

أطفال في جحيم العمل المبكر… ضحايا الظروف وكلفة التعليم الظاهرة بدأت في الانتشار بالكويت بداية من إشارات المرور وليس نهاية بورش إصلاح السيارات

عمالة الأطفال ظاهرة بحاجة للضوابط

• “ج.ن”: زوجة أبي دفعتني لبيع الرقي ولا أعود للبيت إلا عند غروب الشمس
• “و.أ”: تركت الدراسة للعمل في شبرة غير قانونية ووالدي تعرض للنصب عليه في بيع كلية
• “ب.م”: أبيع اسطوانات الكمبيوتر أمام الجمعيات التعاونية لأساعد أبي المريض بالكبد
•” ف.م”: أجمع الحشائش من الحدائق بعدما دفعت الظروف والدي لإخراجي من المدرسة
• أ. خ”: أعمل في ورشة خراطة ووالدتي تبيع الأقمشة أمام مجمعات الجليب
• المحسن: ذكريات الطفولة المؤلمة تظل تطارد الإنسان طوال حياته
• الإبراهيم: التصدع الأسري أبرز عوامل لجوء الأطفال للعمل وترك الدراسة
• الغانم: الكثير من الأطفال في الكويت يتعرضون لظلم واضح يشكل تزايداً في الآونة الأخيرة
• العلي: التسرب من التعليم نتيجة طبيعية للظروف المادية الطاحنة التي تعيشها بعض الأسر
• الشكري: على الجهات الرقابية ملاحقة الشركات والورش التي تستغل الأطفال
• المطوع: عمالة الأطفال جائزة وفقاً للقانون بشرط أن تكون في الأعمال الخفيفة

تحقيق – ناجح بلال:
بدأت ظاهرة عمل الأطفال في مهن مختلفة تنتشر في الكويت في ظل الظروف المادية السيئة لذويهم ، فبات من الأمور المتكررة أن نشاهد طفلاً جالساً على قارعة الطريق في اجواء شديدة الحرارة لبيع الرقي أو بعض الفاكهة، أو نجد طفلاً بالكاد تخطى الثالثة عشرة من عمره يعمل في أحد كراجات إصلاح السيارات، ولعل الصورة القاسية لتسول بعض الأطفال الصغار على المقاهي لاستجداء روادها أو لبيع بعض الحلوى من الصور التي لا تغادر المخيلة لكونها أبشع حالات اغتيال طفولة هؤلاء تحت وطأة العوز والفقر.
وتفتح “السياسة” ملف عمالة الأطفال في الكويت من الجوانب القانونية والحقوقية والنفسية وآثارها الاجتماعية.
وفي ما يلي التفاصيل:
يقول الطفل “ج.ن” البالغ من العمر 12 عاماً ونصف العام: إنه امتهن بيع الرقي في منطقة العديلية لأن والده من غير محددى الجنسية ومتزوج من غير امه كما أنه ورث المهنة عن والده الذي يعمل في بيع الخضراوات والفاكهة على الطرق السريعة، لافتا الى أن زوجة ابيه طلبت من ابيه أن يدفع به للعمل في مجال بيع الرقي على قارعة الطريق للمارة وبعد ان اعترض والده في البداية حتى لا يؤثر ذلك على مستقبل ابنه الدراسي إلا أنه مع اصرار زوجة الاب رضخ لها، مشيرا الى ان والده يأتى به من المدرسة في الواحدة والنصف ظهرا ويظل يبيع الرقي حتى غروب الشمس لافتا الى انه لم يتناول الغذاء الا بعد ان يذهب للبيت.
ويشير الطفل” و.أ “(11سنة) إلى ان والده أجبره على ترك المدرسة ليبيع معه في شبرة خضار غير قانونية في الشارع، بل ان والده باع كليته العام الماضي والمشتري نصب عليه واعطاه خمسمئة دينار فقط رغم ان الاتفاق بينهما كان على خمسة آلاف دينار موضحا ان صحة والده كانت قبل بيع كليته قوية للغاية ولكن يبدو ان الكلية المتبقية مصابة بالمرض.
وحول شعوره عندما يرى من كانوا زملاءه من الجيران يذهبون للمدرسة بدت على عينيه ملامح نظرة قاسية بابتسامة ساخرة تعبر عما في قلبه قائلا باختصار شديد: “أشعر وكأنهم يعيشون في الجنة وأشعر وكأنني أعيش في الضياع “.

ويؤكد الطفل “ع .س” (14 سنة) من جنسية عربية يعمل في ورشة تبديل زيوت وبنشر انه لا يرغب في الدراسة ولذا اتجه لورشة ليتعلم صنعة البنشرجي خاصة ان معظم اقاربه من ارباب هذه المهنة، لافتا الى ان ارتفاع رسوم المدارس الخاصة كان أحد الاسباب الرئيسية التي شجعت والده على تسريبه من التعليم وعندما شعر بالضيق والتعب من هذه المهنة قال لوالده اريد العودة للمدرسة فنهره والده وقال له “دخول الحمام ليس مثل خروجه، “لافتا الى ان والده متزوج من شابة صغيرة غير امه البالغة من العمر خمسين عاما.
وإمام احدى الجمعيات التعاونية الاستهلاكية يجلس الطفل” ب.م ” (13سنة) لبيع اسطوانات الكمبيوتر المضغوطة وعن سبب عمله في هذه السن قال : أعمل لأجد قوت يومي لأن والدي مريض بالكبد وبعض الامراض الاخرى ولا يقدر على العمل وأمي تعمل خادمة في البيوت وتحصل على دينارين ونصف الدينار فقط يوميا لذلك نذر نفسه لمساعدة أسرته وترك الدراسة رغم عشقه لها وتفوقه، موضحا أنه لا يعنيه نفسه الان، بل كل ما يعنيه أن يدخل البيت وفي يده ديناران أو ثلاثة حتى لا ينام أشقاؤه دون عشاء، لافتا الى ان بيت الزكاة اعطاهم مساعدة مرة واحدة فقط كما ان الجمعيات الخيرية تغلق الابواب في وجوه الكثير من المحتاجين لان معظم عملها في بناء المساجد والمستشفيات خارج الكويت.
ويعرب الطفل “ف.م” (13سنة) الذي يعمل في جمع الحشائش من الحدائق عن شعوره بالامتعاض قائلا: إن ظروف والدي الصحية دفعتني لترك المدرسة والعمل حيث ان المدرسة التي كان يدرس بها أرسلت لوالده رسائل متلاحقة لتسديد الرسوم الدراسية دون ان يهتم نظرا لعدم قدرته ان يدفع اكثر من 450 ديناراً للمدرسة التي حجبت نتيجة الفترتين الاولى والثانية لعدم دفع الرسوم الدراسية مما جعلنى اترك المدرسة وعليها واتجهت لجمع الحشائش الخضراء وبيعها لمن يقومون بتربية الطيور.
ويذكر الطفل” أ.خ “، “14سنة “أنه ترك المدرسة منذ عامين ويعمل الآن في ورشة خراطة، لافتا إلى أن والدته تبيع الاقمشة امام مجمعات جليب الشيوخ لتساهم في علاج والده خاصة ان هناك بعض الادوية والاشعة الممنوعة على الوافدين، موضحا انه رفض ان تخرج شقيقته من المدرسة ووعدها بتدبير بقية الرسوم الدراسية فهم يسكنون في بيت شعبي في خيطان وتراكم عليهم الايجار ولولا الظروف الصعبة لما خرج من المدرسة على الاطلاق.
ويقول عطا امام الذي يعمل ميكانيكي سيارات ويساعده ابنه البالغ من العمر 12سنة: أنا لا أملك هذه الورشة وأدى ارتفاع الرسوم الدراسية وايجارات الشقق وغلاء المعيشة مع كثرة الاولاد إلى عدم تمكنني من تعليم اولادي جميعا في المدارس لان التعليم لو كان بالمجان لغير القادرين لما ترك ثلاثة من ابنائي المدارس وأنا أعمل في هذه الورشة بالأجر اليومي بمعدل خمسة دنانير وعندما يكون معي ابني أحصل على سبعة دنانير أي بزيادة دينارين.

وتعليقا على تلك الظاهرة يقول الاستشاري النفسي د.عبدالله المحسن: إن مرحلة الطفولة من اهم مراحل الانسان في حياته وتظل ذاكرة الانسان تختزن ذكريات الطفولة الى ان ينتهي اجل الانسان فإذا كانت ذكريات مؤلمة فستظل تلاحقه مدى حياته، مشيرا الى أن الطفل الذي يجبر على ترك المدرسة ليساعد أسرته ليعمل في اعمال شاقة او حتى بسيطة يتوالد داخله شعور نفسي سلبي يلازمه في فترة براءته فكلما شاهد اي طفل يذهب للمدرسة يلعن الظروف التي أبعدته عن دراسته موضحا ان هناك نوعية من هؤلاء الاطفال تنمو داخلهم روح الغيرة السلبية التي تدفع الكثير منهم للانحراف منها التدخين كمرحلة اولى ثم الادمان واذا لم يجد المال للادمان ربما يتجه للسرقة.
ونبه د.المحسن إلى أن الغالبية من الأطفال العاملين تنتابهم حالات القلق المصحوب بالاكتئاب لان الطفل في هذا العمر بحاجة للترفيه وهو أمر غير المسموح له، لافتا الى ان هؤلاء الاطفال يشبون على الاحساس بالقهر الاجتماعي.
ويرى الخبير في العلوم الاجتماعية د.عبدالله الابراهيم ان التصدع الأسري الناتج عن انفصال الاباء عن الامهات يعد عاملاً من العوامل المهمة للجوء الأطفال إلى العمل بمختلف انواعه، مشيرا الى ان غياب الدفء الاسري وعدم انفاق الاب على اطفاله بعد الانفصال يضطر الابن لترك الدراسة والعمل من اجل الحصول على الطعام ،مشيرا الى ان هناك بعض الاطفال الكويتيين اتجهوا للعمل بعدما فقدوا حنان الاب والام، لافتا الى ان بعضهم يعمل في بيع”اسطوانات الكمبيوتر” المنسوخة بصورة غير مشروعة والفئة العظمى من الاطفال العاملين في المجتمع الكويتي هم من فئة البدون او الوافدين مطالبا بضرورة اجراء المزيد من البحوث والدراسات الاجتماعية المتعلقة بتنامي عمالة الاطفال في الكويت قبل استفحالها.
ويقول المستشار العمالي في الجمعية الكويتية لحقوق الانسان عبدالرحمن الغانم ان هناك ظلماً واضحاً يتعرض له الكثير من الاطفال في الكويت وأصبح عمل الاطفال يتنامى في السنوات الاخيرة بصورة مخيفة وهذا الامر بحد ذاته لم يكن في السابق.
وبين ان الكثير من الاطفال يعملون في بيئة لا تتناسب مع اعمارهم والكثير منهم يتعرضون لمخاطر عديدة خاصة الذين يعملون في ورش السيارات وهناك الاطفال الذين يبيعون في اشارات المرور الذين يتعرضون احيانا لحوادث السيارات.
وطالب الغانم بضرورة أن يعود هؤلاء الاطفال الى مدارسهم وان تتبناهم الدولة فالرحمة تقتضي ان نرفض عمل الاطفال الا بالشروط الموضوعة في قانون العمل التي يأتي اهمها الا يعمل الطفل فوق ست ساعات وان يكون نوع العمل خفيفا وان يكون عمل هؤلاء الاطفال تحت نظر الدولة من خلال اعطاء اذن للطفل الذي يعمل في جهة ما.
ويرى الخبير التربوى د.حمد العلي ان التسرب من التعليم يأتي كنتيجة طبيعية للظروف المادية الطاحنة التي تعيشها بعض الاسر مفيدا ان وزارة التربية نشرت منذ فترة ان النسبة الأكبر لتسرب الطلاب من اختبارات المرحلة الثانوية كانت من نصيب منطقة الجهراء التعليمية حيث بلغت 35% بواقع 15% ذكوراً و8% إناثاً فيما حظيت منطقة حولي التعليمية بالنسبة الأقل إذ لم تتجاوز الـ1% فقط، لافتا إلى أن وزارة التربية لم تاشر إلى نسب التسرب في بقية المحافظات الاخرى مفيدا ان دور الاخصائي الاجتماعي داخل المدارس الحكومية والخاصة يكاد يكون غائبا لان الاخصائي مهمته ان يراقب تداعيات الاوضاع الاجتماعية على التلاميذ حتى لا يلجأ الاطفال الى التسرب، مطالبا بضرورة أن تلاحق وزارة التربية المدارس الخاصة التي حولت التعليم لاستثمار فاحش الكلفة والنتيجة أن من يعجز عن دفع الرسوم يضيع مستقبله الدراسي.
ويؤكد عضو منظمة اليونيسكو مدير عام المركز الخليجي للمعلومات والوثائق في الكويت د. ابراهيم الشكري ان المنظمات الدولية التابعة للامم المتحدة تولي اهتماما بحماية الاطفال من التشرد والتسرب من التعليم كما تهتم هذه المنظمات بعدم السماح بعمل الاطفال، موضحا ان الكويت بإعتبارها عضوا اصيلا في المنظمات الدولية وقعت على اتفاقيات حقوق الاطفال ومن ثم فإن وجود اطفال يعملون في الكويت فهذا الامر يتنافى مع ما وقعت عليه من اتفاقيات دولية تتعلق بحقوق الاطفال.
وطالب د.الشكري الجهات الرقابية في الكويت بملاحقة الشركات والورش التي تستغل الاطفال للعمل لديها فضلا عن ضرورة تكثيف الرقابة لمنع بيع الاطفال اي منتجات على اشارات المرور او في الطرقات.
وبين د.الشكري أنه وحسب تقديرات منظمة العمل الدولية للسنوات الأخيرة فإن عدد الأطفال العاملين الذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والرابعة عشرة في العالم يقدر بثلاثمئة مليون طفل، منهم مائتان وخمسون مليون طفل في دول العالم الثالث ونحو خمسين في المئة منهم يعملون بصورة دائمة والباقي يعمل أثناء العطل المدرسية، أما الأطفال العاملون في المنطقة العربية فيقدر عددهم بحوالي تسعة ملايين طفل عربي تسربوا من مرحلة التعليم الأساسي واندرجوا في سوق العمل، وتتزايد هذه الأعداد بشكل مخيف، بلا ضابط ولا توجيه.
وذكر د. الشكري أنه في الكويت وبقية دول الخليج فإن عمالة الاطفال تأخذ أبعادا أخرى إذ يعتبر البعض من الوافدين وجودهم في الكويت او بقية دول مجلس التعاون الخليجي من الفرص الذهبية التي ينبغي الا تعوض ولذا فالبعض منهم يحفزون اولادهم على ترك المدرسة والانخراط في العمل ولو كان ذلك على حساب تعليم اطفالهم مبينا ان هؤلاء الاطفال يعملون في المصانع وهناك فتيات يعملن كخادمات في البيوت او كباعة في البقالات او في الورش.
وذكر د. الشكري أن الجمعية العامة للامم المتحدة حددت عمر الطفل بأقل من 18 سنة وذلك من خلال اتفاقية حقوق الطفل التي اصدرتها عام 1989 حيث سعت من خلال تلك الاتفاقية الى حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ووقايته مما قد يضر بنموه العقلي والبدني والاجتماعي، واقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الطفل حيث نص الإعلان على “وجوب كفالة وقاية الطفل من ضروب الإهمال والقسوة والاستغلال، وألا يتعرض للاتجار به بأي وسيلة من الوسائل، وألا يتم استخدامه قبل بلوغ سن مناسبة، وألا يسمح له بتولي حرفه أو عمل يضر بصحته أو يعرقل تعليمه أو يضر بنموه البدني أو العقلي أو الأخلاقي”.
ويرى رئيس منظمة حقوق الانسان العالمية الاسلامية المحامي مبارك المطوع أن قانون العمل الكويتي لا يختلف كثيرا عن القوانين الدولية المتعلقة بحقوق الطفل فإذا كان هناك نص في هذا القانون يجيز عمل الاطفال في الكويت في الاعمال الخفيفة التي لا تشكل خطرا على الاطفال فهذا الامر ينسجم مع المنظمات الدولية ولكن عندما يكون هناك اطفال في الكويت فعلا يعملون في مهن شاقة تعرضهم للخطر كأن يعمل هؤلاء الاطفال في ورش الخراطة أو في بيع الفاكهة ويتعرضون للحر الشديد في الصيف فهنا ينبغي ان يتم معاقبة من يعرض طفلة لذلك كما ينبغي في الوقت نفسه أن يتم تغليظ العقوبة على الورشة التي يعمل فيها بعض الاطفال دون السن القانونية منبها ان من اسباب عمل الاطفال الفقر والجهل وعدم وعي الاهل بأهمية التعليم لاولادهم وكثرة الانجاب والتفكك الاسري.
وبين المطوع ان قانون العمل الذي اعدته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل يهدف لمنع العنف ضد الأطفال، وحمايتهم من الاستغلال ومن الانتهاكات الجسدية والنفسية.