أقاتلتي هند وقتلي محرم أما فيكم يا أيها الناس مسلم؟ محبرة وقلم

0 278

مشعل عثمان السعيد

القتل بغير ذنب محرم شرعاً، وحتى الشروع في القتل يعاقب عليه القانون، أما قتل العشق فسبيله آخر، فهذا الشاعر اطلق اشارة استغاثة لكل مسلم بأن يقف الى جانبه قبل ان تقتله هند عشقا،والعشق أيها السادة أمر شديد للغاية، سأل الخليفة المأمون عبدالله يحيى بن أكثم عن العشق ما هو؟ فقال: هو سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه، فتؤثرها نفسه، فقال: ثمامة بن أشرس: اسكت يا يحيى، انما عليك ان تجيب في مسألة طلاق، أو في محرم صاد ظبيا أو قتل نملة، فأما هذه فمسائلنا نحن، فقال له المأمون: قل يا ثمامة، ما العشق؟ فقال ثمامة: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب ملك، مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، واحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواضرها، والعقول وآراءها، واعطى عنان طاعتها، وقود تصرفها، توارى عن الأبصار مدخله، وعمى في القلوب مسلكه، فقال له المأمون: أحسنت والله يا ثمامة، وأمر له بألفي دينار، أما شاعر البيت فواضح ان العشق اثر فيه تأثيرا بالغا، والمرء اذا احيط به من كل جانب استغاث وطلب النجدة ممن حوله، لذا فهو يقول بعد ذلك:
لقد زعموا لي انها نذرت دمي
ومالي بحمد الله لحم ولا دم
من خلال بيت الشعر هذا نعرف ان استغاثة هذا الشاعر جاءت بعد ان علم ان هنداً أهدرت دمه، وجعلته مباحاً، الا انه يخبر الجميع انه اصبح متهالكا من اثر عشقها، جلداً ركّب على عظم بلا دم ولا لحم فكيف وصل به الحال الى ذلك؟ يقول:
برى حبها لحمي، ولم يبق لي دما
وان زعمت اني صحيح مسلم
لقد فعل به حب هند الأفاعيل، واصبح في حالة يرثى لها، رغم ادعائها اني سليم معافى، وما دامت مصرة على قتله فهو يقول:
ستقتل جلدا باليا فوق اعظم
وليس يبالي القتل جلد واعظم
لن يبالي القتل، وان قتلته فلن تقتل سوى جلد واعظم واذا وصل العاشق الى هذه المرحلة تساوت عنده الحياة والموت هذه بعض أبيات القصيدة وسآتي على ذكرها، أما شاعرها فهو: المؤمل بن أميل بن أسيد المحاربي، شاعر من أهل الكوفة من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، الا ان شهرته كانت في الدولة العباسية، لأنه كان ضمن جنودها، انقطع هذا الشاعر الى محمد المهدي في خلافة أبيه المنصور وبعده وهو صالح المذهب، وله قصة عجيبة ذكرتها الكثير من المراجع، فقد كان يهوى امرأة من أهل الحيرة يقال لها هند، وكانت آية في الجمال فقال:
شف المؤمل يوم الحبرة النظر
ليت المؤمل لم يخلق له بصر
فأتاه آتٍ في منامه وادخل اصبعيه في عينيه، وقال له: هذا ما تمنيته فاصبح اعمى، والبلاء موكل بالمنطق، وقال حذيفة بن محمد الطائي، حدثني ابي قال: رأيت المؤمل بن أميل شيخا أصفر
نحيفا أعمى، فقلت له: صدقت في قولك:
وقد زعموا لي انها نذرت دمي
ومالي بحمد الله لحم ولا دم
فقال: نعم فديتك وما كنت اقول الا حقا، وقد عاش المؤمل عمرا طويلا تجاوز التسعين عاما وتوفي في خلافة هارون الرشيد سنة 190هـ، واليكم قصيدته المشهورة:
أقاتلتي هند وقتلي محرم
أما فيكم يا أيها الناس مسلم
لقد زعموا لي انها نذرت دمي
ومالي بحمد الله لحم ولا عظم
برى حبها لحمي، ولم يبق لي دم
وان زعمت اني صحيح مسلم
ستقتل جلدا بالياً فوق اعظم
وليس يبالي القتل جلد وأعظم
فلم أر مثل الحب صح قرينه
ولا مثل من لم يدر ما الحب يسقم
أآذنةٌ لي انت في ذكر حاجة
ألا طالما قد كنت عنها اجمجم
غدرتم ولم نغدر، وقلتم غدرتم
تظنون انا منكم نتعلم
قطعنا زعمتم، والقطيعة منكم
زعمنا وانتم تزعمون ونزعم
فان شئتم كان اجتماعا فقلتم
وقلنا فإن القول للقول سلّم
والا فانا قد رضينا بحكمكم
على كل حال فاتقوا الله واحكموا
فوالله ما أجرمت جرما علمته
فان سركم جرمي فها انا مجرم
وعاقبتموني في السلام عليكم
ولم يك لي ذنب سوى ذاك يعلم
فان تمنعوا عني السلام فانني
لغادٍ على حيطانكم فمسلم
دمتم سالمين.
كاتب كويتي

You might also like