أكذب من سحيّة الليل محبرة وقلم

0

سحيّة الليل، عبارة قديمة كنا نسمعها في الماضي، وغالباً ما يسبق هذه العبارة كلمة “أكذب” فتصبح جملة كاملة على النحو التالي: أكذب من سحيّة الليل، وأحيانا فلان لا يحوشك أكذب من سحيّة الليل، فالسؤال المستحق من هي سحيّة الليل هذه؟ ولماذا وصفنا الكذاب بأنه أكذب من سحيّة الليل؟
هذه العبارة لم يعد يعرفها إلا قلة قليلة من كبار السن، ثم ان السواد الأعظم من الناس يجهلون معناها، الواقع ان هذه العبارة من العبارات البدوية القروية، وهي صفة وسمة للشخص الذي بينه وبين الصدق عداء مزمن، المشهور بالكذب كقول العرب في الماضي “أكذب من مسيلمة”، و”أكذب من عرقوب”، و”أكذب من فرس الليل”، وكل عبارة أو مثل من الأمثال له حكاية، وما سأشرحه عبارة “اكذب من سحيّة الليل”، اما الكذب ايها الأحبة فهو ضد الصدق، والكذب صفة سيئة للغاية، تحط من قدر الإنسان وتهوي به الى أسفل السافلين، وفي ذلك يقول سيد الخلق والمرسلين محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم في حديث صحيح: “عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي الى البر، وان البر يهدي الى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي الى الفجور، وان الفجور يهدي الى النار، فما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً” متفق عليه.
ذكر صاحب كتاب المحاسن والمساوئ ما معناه: “ان الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب ميزان الشر الذي يدور عليه الجور، والصدق ينفع صاحبه، قال الأصمعي: “أتى رجل الى أمير العراق الحجاج بن يوسف فقال له: ان ربعي بن خراش “وهو من الصالحين” لا يكذب أبداً، وقد قدم ولداه عاصيين، فبعث الحجاج اليه فأتاه ربعي، فسأله: ما فعل ابناك؟ قال خراش: هما في البيت والله المستعان، فقال الحجاج: “وهبتهما لك لصدقك”.
وقيل أيضا لا رأي لكذوب، ولا مروءة لكذاب، ورأس الذنوب الكذب، يقول الشاعر العباسي صالح بن عبدالقدوس “ت 160 هـ”:
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحباً
إن الكذوب لبئس خل يُصحب
وأعود من حيث بدأت فأقول: كان كبار السن من أهالي الجهراء التي كانت قرية صغيرة وجلهم “قروية نجادة” وقد عاصرت الكثير منهم، يحذروننا من الكاذب، فيقولون: يا ولدي احرص من فلان، لا تصدقه أبدا، تراه أكذب من سحيّة الليل، وأحيانا يقولون: “فلان لا يحوشك، بحرة الصج”، وهي عبارة تعطي نفس معنى “أكذب من سحيّة الليل” والعبارتان دارجتان عندهم، واذا قالوا: “فلان بحرة الصج”، فهو استهزاء بالرجل الكاذب وتحذير منه، فالبحرة الأرض الواسعة والصج كلمة أصلها الصدق، بعض الناس يظن ان “سحيّة الليل” خرافة وشيء لا وجود له، الا ان سحيّة الليل حقيقة، وعندنا في مجتمعنا من هو أكذب من “سحيّة الليل” هذه الأيام وهم كثر في هذا الزمان، بعد ان كانوا يعدون على الأصابع.
ما هي سحيّة الليل؟ هي طائر الخفاش المعروف الذي يظهر ليلاً، ويسمى “الوطواط”، هذا الطائر يتراءى للعين ليلاً على الضوء وبمجرد ان تقع عليه عينك طار من مكان الى مكان، حتى إن عين الإنسان تتعب من متابعة حركته وطيرانه من مكان الى مكان بسرعة، شبّه الناس الكاذب الذي لا يعرف الصدق بهذا الطائر الذي يتحول من مكان الى مكان سريعاً، وتكاد لا تتثبت منه وتتحقق.
العجيب ان هذا الطائر “الخفاش” هو نوع من الثدييات القادر على الطيران، وهو من شعبة الجبليات ومن طائفة الثدييات وعموماً فهناك أربع علامات تكشف “سحيّة الليل” “الكذاب”، الأولى: أن يصور الكذاب نفسه أفضل مما تراه، الثانية: ان الكاذب يشير الى نفسه كثيراً وهو يتحدث، الثالثة: غالباً ما يكون الكذاب سلبيا، رابعاً: يروي الكذاب الأحداث المهمة بأبسط العبارات لأن عقله مشغول باختلاق الأحداث الباقية، وخذوا الخامسة مني من خلال تجربة طويلة مع الكذابين، الكذاب اذا حدثك لا ينظر اليك وانما ينظر الى الأعلى، لماذا؟ لأنه يخاف ان ينظر اليك مباشرة فترى الكذب في عيونه، اضافة الى انه يطيل عبارته، ولن أعود بكم الى الماضي البعيد، وانما الى سبعينات وثمانينات القرن الفائت، كنت أعرف رجلاً يكذب بالفطرة وهو على استعداد لأن يكذب يوماً كاملاً بلا كلل ولا ملل، فكنت أذهب اليه اذا كنت محتاجاً الى الأنس والضحك، كان يجلس في خيمة ببر المطلاع يظل هناك ستة أشهر، جلست معه وناولني فنجان قهوة ثم أدار اسطوانة كذبه، يقول هذا الرجل: أتعرف كم طول “بيت شعر” والدي؟ فأقول: لا فيقول: السيارة
8 سلندر جيب تظل تسير فيه 8 ساعات حتى تصل آخره، فأضحك حتى أقع على جانبي الآخر، وهو لا يضحك وقسمات وجهه لا تتغير حتى انه لا يبتسم، ثم يتابع قائلا: أسمعت عن دلة والدي رحمه الله؟ فأقول: لا، ما حكاية دلة والدك يا طويل العمر؟ فيقول: اذا أردنا أن نضع فيها القهوة والهيل نحتاج حتى نملأها ثمانين “خيشة قهوة”، وعشرين صندوق هيل، ويكمل: لا، وأزيدك من الشعر بيتا، لها عشرون “صوندة” موزعة على الجالسين في الديوان، فمجرد ان يقول الضيف: قهوة، ترتفع الصوندة أوتوماتيكياً، فتدخل في فم الضيف، فيشرب حتى يروى، ثم يريني ضربة في رقبته ويشير اليها بإصبعه، فأقول: ما حكاية هذه الضربة؟ فيجيب: كنت نائما في بر الصبية واذا بي أشعر ان شيئاً ثقيلاً جاثماً على صدري، ففتحت عيني فإذا ذئب من أكبر الذئاب وأشده قوة جاثم
على صدري، فأمسكت به وأمسك الذئب بي “ومطارح” انا والذئب من الساعة 6 صباحا الى 12 ظهراً، “مرة يطرحني ومرة أطرحه” الى ان استطعت بعد جهد جهيد قتله في النهاية.
رأيتم أيها الأحبه أكذب من هذا الرجل؟، لا أظن ذلك، توفي هذا الرجل عام 2012 عن 80 عاماً.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ستة عشر − اثنان =