“ألا من يشتري سهراً بنومٍ سعيدٌ من ينام قرير عين” محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

هناك بيت شعر نصدّقه، وبيت شعر لا يمكن أن نصدّقه بأي حال من الأحوال، مثل هذا البيت عنوان الموضوع، من الصعوبة بمكان تصديقه، فهل سمعتم بسوق ٍ قائمة ٍ، يباع فيها السهر والنوم؟ بالطبع لا. أما اذا كان البيت يحكي قصة واقعية فالأمر مختلف، هذا البيت من الأبيات الشهيرة قبل الاسلام، وله قصة عجيبة، وكائنة غريبة، بها العظة والعبرة، وصاحب هذا البيت قيل من أقيال اليمن هو “ذو رعين” والقيل في اللغة الحميريّة أقل رتبة من الملك وهو بمثابة حاكم ولاية.
روى الطبري وابن كثير، وغيرهما، من أرباب التواريخ أن حسان بن تـُبان أسعد أبي كرب وهو ملك اليمن قبل الاسلام، كان فاتكاً ظالماً جباراً ذا سطوة، فأراد أن يطأ أرض العرب والعجم، فسار بأهل اليمن وهم كارهون، حتى اذا كان في البحرين، كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه، وأرادوا العودة من حيث أتوا، الا أنهم خافوا سطوة ملكهم حسان، فكلموا أخا له يقال له عمرو، وهو في مقدمة الجيش، أن أقتل أخاك وأنت الملك ولك منا السمع والطاعة والمؤازرة وقال له الأخيل بن حيدان: “هذا رجل غير راجع عن عزمه حتى يبلغ المشرق”، فبايعوا عمرو على السمع والطاعة شريطة أن يقتل أخاه، الا “ذا رعين” الحميري فقد نهاه وحذّره من مغبة فعله، فكتب في رقعة:
“ألا من يشتري سهر بنوم ٍ
سعيد من ينام قرير عين
فاما حمير غدرت وخانت
فمعذرة الاله الى رعين”
ثم ختم على الرقعة وأتى بها عمراً وقال له: “ضع هذه الرقعة عندك”ففعل، ثم قتل عمرو أخاه حسان، ورجع بمن معه الى اليمن، فقال رجل من حمير يرثو حساناً:
“لاه عنيا الذي رأى مثل حسان
قتيلاً في سالف الأحقاب”
لم يذق عمرو طعم الراحة بعد قتل أخيه، ولم تغمض له عين، وابتلي بالسهر، فجمع كل من عنده علم من الأطباء والحكماء، فلم يستطع أحد من هؤلاء علاجه، فقال له أحد الحكماء:” من قتل أخاه بغياً وغدراً لا ينام”، فتتبّع كل من أشار عليه بقتل أخيه فقتلهم واحداً تلو الآخر حتى جاء الدور على ذي رعين فقال له: “ان لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي”.
فقال: “وما براءتك عندي”؟ قال: “أخْرِج الرقعة التي استودعتها عندك”، فأخرج الرقعة فقرأها عمرو، ثم قال له ذو رعين: “قد كنت نهيتك عن قتل أخيك، فعصيتني، فلما أبيت عليًّ، وضعت هذه الرقعة عندك، حجة لي عليك، وعذرا لي عندك، فتركه”، عمرو تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف اليمن، وخلّى سبيله، هذه قصة هذا البيت.
أما تبع ذي كرب هو أشهر التبابعة، وله قصة رويت في مراجع التاريخ تذكر أنه آمن بسيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، واسمه أسعد وفي ذلك يقول:
“شهدتُ على أحمد أنّه
رسول من الله باري النّسمْ
فلو مُدّ عمري الى عمره
لكنت نصيرا له وابن عمْ
وجالدت في السيف أعداءَه
وفرّجت عن صدره كل غمْ”
كان هذا الأمر قبل بعثة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بثلاثمئة عام، وتـُـبّـع هذا أحد ملوك مملكة حمير، ومملكته وكرسي حكمه في ذاك الزمان تقع جنوب محافظة المحويت، وكان قد عزم على هدم الكعبة ثم عدل عن ذلك بعد تحذير أحبار اليهود له، ومرض أثناء مسيرة لهدم الكعبة، فجمع من عنده من أحبار وشكا لهم ما يعانيه، فقال له رئيس الأحبار شامول: “ان مرضك سببه سوء نيتك، وعزمك على هدم بيت الله الحرام، فاعدل عن هذا الرأي واستغفر ربك”، فرجع تبّع عما أراد، ونذر أن يحترم الكعبة، ويجلّها، فلما شُفي من مرضه غسل الكعبة وكساها بالبرود اليمانية.
أما ملوك سبأ وحمير فقد ذكر قدماء المؤرخين أن أول ملوك سبأ تبع أمر بين الأول(من 950 ق – م، الى 1000 ق– م) وآخرهم ذمار علي ينوف وعددهم 31 ملكاً، وأما ملوك سبأ فأولهم كرب ايل وتر الثاني وآخرهم فرعب ينهب وعددهم 33 ملكاً، ثم ملوك سبأ وذي رديان، وأولهم شعرم أوتار وآخرهم ياسر يهنعم الثاني، وعددهم 24 ملكاً، ثم ملوك سبأ وذي ريدان وحضر موت ويمنت وأولهم شمر بهرعش الثاني وآخرهم سيف بن ذي يزن، وهو الذي بشر سيد قريش عبدالمطلب بن هاشم بنبوءة حفيده سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم).
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 × 2 =