أما لهذا العبث السياسي من نهاية…؟

0

قضي مجلس الأمة منذ الساعة التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الماضي في جلسة متواصلة انتهت فجر يوم الأربعاء الماضي، ما أدى الى استنفاد الاعضاء طاقاتهم، الذهنية والجسدية والكلامية، الامر الذي حال دون انعقاد جلسة اليوم التالي، والسؤال هنا: هل كانت الجلسة المطولة التي استهلكت يوماً وليلة بصباحها وظهرها وعصرها ومسائها، فليلها، ثم الانتقال الى فجر اليوم التالي، هل كانت الموضوعات المطروحة في الجلسة من الأهمية التي تحدد مستقبل البلد وتؤمن عيش اَهله حتى استحقت استنفاذ كل هذا الوقت؟
لا أظن ان هناك من يخالفني الرأي اذا قلت، كانت جلسة عبث وتصفية حسابات، ورسائل برسم الوصول لمن يهمه الامر، فقضية الاستجوابات لكي يؤدي النواب ادوار البطولة على المسرح- اذا جاز لنا التعبير- الا ان البطولة الحقيقية تنسب للمتربصين خلف الستارة او خلف الكواليس، ويبدو بعدما كثر الممثلون وواضعو السيناريوهات والمخرجون، حتى لم يعد هناك احترافية، لا في فن التمثيل على المسرح او في المشاهد او الإخراج، فصارت جلسات الاستجوابات اقرب الى المسرح الارتجالي او العبثي، الذي يغيب عنه المؤلف والمخرج، ويقول الممثل اي كلام، فقط بهدف اضحاك الجمهور، او بهدف سرقة الأموال من جيوب الجمهور!
المسرحية الهزيلة والتافهة التي واصلت العرض ولم يرفع عنها الستار نهاراً باكمله، وليلاً الى هزيعه الاخير، كان يمكن الا تعرض والا يضيع وقت الاعضاء والجمهور، بين متفرج صامت او نائم او شامت او ضاحك او فاغر فاهه، لا يدري “وين الله قاطه”، او لاعب لادوار الكومبارس.
هذه المسرحية اخر المسرحيات في سلسلة المسرحيات المهزلة التي داب أعضاء المجلس على أدائها التي لا طعم لها ولا مزية، وقد نشاهد في القادم من الايام الأسوأ، طالما بقينا نردد كالبلهاء الاستجواب حق دستوري للنائب، ويغيب عنا ان استجوابات سنة أولى سياسة مسرحيات مكشوفة وفاشلة، تأليفاً واخراجاً، واللاعبون على منصة الاستجواب يؤدون ادوار البطولة الدنكيشوتية المدفوعة الأجر. ان مثل هذه الاستجوابات الفارغة، التي لا تحمل اي قضية او موضوع لا ينبغي ان تضيع الجلسات وراءها، ولا يستحق ان يقف المستجوِب او المستجوب على المنصة، طالما هدفها الضرب تحت الحزام، وإظهار البطولات الزائفة والنجومية والصيت، لكن طالما غابت الضوابط وأعطيت الحرية للنائب، فالاستجوابات المهزلة سوف تستمر وانحدار المجلس الى الأسفل ايضاً سوف يستمر!
منذ يناير1963 الى ابريل 2018 يجتاز المجلس النصف قرن مقرباْ من 60 عاماً، بمعنى ان تجربتنا الديمقراطية بعد كل هذه العقود، يفترض انها قد استقرت تقاليدها وقويت جذورها، وباتت مدرسة لفن الحوارات والطرح السياسي الراقي بعيداً عن المهاترات والعبث السياسي، والضرب تحت الحزام، وحيث لا قضية مركزية تشغل النواب ويجتمعون عليها، وحيث ان غالبية النواب لم يدخلوا المجلس من اجل الخدمة او الاصلاح، وحيث ان هذه الغالبية ايضاً لم يختبر سياسياً، ولا يحملون ادنى ثقافة دستورية او قانونية او اجتماعية، فان المجلس سوف يستمر مسرحاً للعبث والتسلية والتكسب، فالحكومة لا يهمها ان صعد وزير منصة الاستجواب طالما خروجه لا يشكل ازمة، فالبديل جاهز ينتظر خلف الباب!
لكن السؤال الى متى تستمر الحال على مجالس مهازل وعبث ونواب تمتلئ جيوبهم بالملايين من المال العام، او من حسابات أشخاص لاهداف مريبة وتخريبية، او افشال المسيرة الديمقراطية او زعزعة الاستقرار، وضرب الامن الاجتماعي والسياسي. هذا علاوة على الهبات والعطايا الحكومية، من مزارع وقسائم وجواخير وشاليهات و”تضبيط” الاحبة والأخوان والأقرباء، او الكوادر الحزبية و المفاتيح الانتخابية، او ناخبين مهمين الى مناصب ووظائف قيادية “باراشوتية” لا يستحقونها متخطون المستحقين واصحاب الكفاءة الذين كل عيوبهم انهم بلا واسطات، كل ذلك من شراء الولاءات وغلق افواه عن قول الحقيقة! لا شك ان تجربة الكويت البرلمانية الفاشلة والمتعثرة خيبت امال المواطن وخيبت ابناء شعوب المنطقة الطليعيين، الذين كانوا ينظرون للتجربة الكويتية على انها الدافع لرؤية مجالس مماثلة تمثل شعوبهم، فهل نحن شعوب غير مؤهلة للديمقراطية والبرلمان، ام ان هناك عبثا متعمدا،من الداخل او من الخارج، لنحر الديمقراطية وغلق أبواب البرلمان بالشمع الأحمر والى الأبد، وتالياً غلق الأفواه؟
لا ريب، رغم كل ذلك، لا بديل للكويت غير المضي في المسيرة الديمقراطية، فالديمقراطية ليست بذلة او دشداشة ضاقت او بليت فنرميها، انما هي مسيرة حياة، ونظام اجتماعي ومشاركة الشعب في ادارة البلاد، لذلك لا خيار غير الدبمقراطية ولا خيار الا بوجود البرلمان، وعليه بدلاً من ان نلعن الظلام علينا ان نشعل شمعة، ولعل الشمعة المطلوبة لكي تبقى ديمقراطيتنا راسخة ثابتة الأقدام، ومجلسنا مستمر، المطلوب تطوير اداة العمل، وذلك بالأخذ بنظام المجلسين، الذي لا نراه بدعة، فمعظم الأنظمة الديمقراطية تأخذ بنظام المجلسين.
ان نظامنا البرلماني يعاني من الرخاوة لذلك كثر العبث وتجاوز الدستور، ومخادعة الشعب او الناخب، فيما نريد مسيرة ديمقراطية ناجحة لا تتعثر وبرلماناً يمارس النواب عملهم فيه من دون ان يلوح على رؤوسهم سيف الحل، واضعين نصب اعينهم الدستور والقسم الدستوري واحترام رغبة الشعب، والاجماع على كلمة سواء، دأبهم خدمة الأمة وتحقيق الاستقرار والرفاه للشعب.
صحافي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 × 5 =