أميركا.. والمشروع الإيراني في العراق والمنطقة

داود البصري

لقد حفلت الأيام الماضية بصور وإرهاصات مستقبلية واضحة عن المصير الذي يسير العراق إليه في ظل تعملق نفوذ وهيمنة الجماعات الإيرانية في العراق والتي بلغت وضعا إنفجاريا محتقنا بات يطرح نفسه بشكل رسمي بإعتباره الصورة المستقبلية المنشودة للعراق والمخطط لها بإمعان في دوائر الحرس الثوري الإيراني, وهومخطط ليس بجديد بل أنه قديم ومن عمر الثورة الإيرانية وبسببه ومن أجله اندلعت أبشع وأطول حرب إقليمية بين عامي 1980 و1988, التهمت أرواح ملايين الشباب العراقي والإيراني وأستنزفت ثروات البلدين وحتى دول المنطقة , وكانت تلك الحرب بابا واسعا ومدخلا لحروب أخرى اندلعت , وكان من بين ثنايا المشروع الإيراني مطالب إيرانية واضحة بإسقاط النظام السياسي السابق في العراق وإقامة البديل الإسلامي, وكان ذلك المطلب غير واقعي في ضوء موازين القوى السائدة ولا يمكن تنفيذه بأي حال من الأحوال, بل إنه مطلب تعجيزي محض.
لقد حاول الإيرانيون بشتى الطرق العسكرية والعنيفة اختراق الجبهة العراقية وتنفيذ مطلبهم ميدانيا, لكنهم فشلوا ميدانيا ثم تم إجبارهم على تجرع كأس سم الهزيمة والقبول بقرار وقف إطلاق النار الأممي المرقم 598 في أغسطس 1988 ومن ثم الدخول في مفاوضات السلام بل وتطور الأمر لإقامة علاقات إعتيادية مع النظام العراقي السابق توجت بزيارات رسمية قام بها الرئيس السابق رفسنجاني للعراق.
وخلال الغزو العراقي للكويت عام 1990 أعلن الإيرانيون مواقف غامضة, لكنهم كانوا سعداء بما حصل وقطفوا ثمار ونتائج ذلك الفعل الأخرق عبر تنظيف سمعتهم الإرهابية ضد دول الخليج العربي , ومن ثم ضربوا ضربتهم الكبرى في سرقة 120 طائرة حربية عراقية أودعها عندهم النظام السابق أوائل عام 1991 لتجنيبها الدمار في حرب عاصفة الصحراء وأنكروا وجودها لديهم رغم أنهم سرقوها قولا وفعلا.
ثم استفاد الإيرانيون من مرحلة الحصار الدولي على العراق عبر تنشيط تجارة التهريب بين أبناء كبار المسؤولين في البلدين , حتى جاءت مرحلة الغزوالأميركي لاحتلال العراق عام 2003 , ليشكل ذلك الحدث فرصة تاريخية نادرة وذهبية للنظام الإيراني لاستغلال الفراغ الأمني والعسكري بعد اختفاء الجيش العراقي وتهشم النظام الأمني وتدمير الدولة العراقية بشكل رسمي وممنهج , وهنا تم إحياء الموات وإعادة تنشيط العصابات الطائفية المرتبطة بالمشروع الإيراني القديم بعد أن فعل النظام العراقي السابق الأفاعيل بقوى المعارضة الوطنية والقومية التي تهشمت مما أتاح المجال للأحزاب والجماعات الطائفية المرتبطة بإيران من استغلال الفراغ والدخول بقوة للساحة العراقية الهشة بعد أن تراجعت الأفكار والرؤى التقدمية , وحلت محلها رؤى وأفكار عدمية ورجعية وخرافية باتت تشكل عارا على الثقافة الوطنية العراقية ونكوصا عن ثمانين عاما من بناء الدولة الوطنية.
اليوم يبدو واضحا أن الجماعات الإيرانية أعلنت رسميا تبنيها فكرة نظام الولي الفقيه وإن التطورات الميدانية والعسكرية القائمة في العراق قد أدت إلى نمو الذراع العسكرية لتلكم الجماعات وبشكل بات يهدد بإسقاط الدولة , كل ذلك يحدث أمام العيون الأميركية الراعية لمشروع الدولة العراقية لما بعد الاحتلال, والعيون الأميركية الخبيرة تراقب ما يحدث وسبق لمدير المخابرات الأميركية الأسبق أن أعلن أن الجماعات الإيرانية المسلحة أخطر من تنظيم الدولة الإسلامية الذي يبقى محدود الخطر أمام هيمنة المشروع الإيراني وامتداداته.
مع ذلك ورغم كون العديد من قادة المشروع الإيراني في العراق مطلوبين للعدالة الأميركية والكويتية بتهم الإرهاب الثابتة بحقهم من أمثال الإرهابي الحرسي أبومهدي المهندس الذي كان حتى عام 2005 مطاردا من الإدارة الأميركية مما عجل بهربه لإيران ليعود العام الماضي ويقود جموع الحشد الشعبي بل ويتحول لوزير دفاع فعلي وميداني يقود المعارك وتحت حماية الطائرات الأميركية والتحالف الدولي?… المشروع الطائفي الإيراني هو اليوم هجومي وواضح وصريح ويمتلك ركائز عمل وقيادات ميدانية , والهدف تحويل العراق لولاية تابعة لقيادة وأمرة الولي الفقيه في إيران , كما أن ذلك المشروع يضع دول الخليج العربي والبحرين خصوصاً تحت ناظريه ويعمل من أجل ضمها لإيران, وذلك ليس سرا بل حقيقة يعرفها الجميع , أما السعودية فهي مستهدفة إيرانيا سواء من الجنوب اليمني أو من الشمال العراقي والخطط الجاهزة ضدها معروفة ومكشوفة وليس هنالك شيء يمكن إخفاؤه.
الولايات المتحدة تبدو راضية بالكامل عن التمدد الإيراني وتحاول استغلال نقاط الاتفاق النووي لإتاحة المجال للنفوذ الإيراني الذي يشهد في المرحلة الراهنة عصره الذهبي… للأميركيين تاريخ حافل في خيانة حلفائهم, وجميعنا يتذكر مصير الشاه الإيراني الراحل الذي تعرض لبهدلة تاريخية مؤلمة… فهل يكرر الأميركان أخطائهم القاتلة في أخطر منطقة في العالم? كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com