أم أيمن الحبشية زوجات صالحات (9)

0

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة بركة، والدها ثعلبة بن عمرو، وكنيتها أم أيمن تزوجت عبيد بن زيد فأنجبت له أيمن ، ثم تزوجت حِبَّ رسول الله “صلى الله عليه وسلم” زيد بن حارثة وولدت له حِبَّ حِبِّ رسول الله “صلى الله عليه وسلم” أسامة بن زيد.
توفي عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله “صلى الله عليه وسلم” وآمنة بنت وهب لا تزال حاملا به وترك فيما ترك جارية له تدعى بركة الحبشية، فأصبحت حاضنته، وكان يناديها: “يا أمى”. وقد غمرته بعطفها وحنانها ولاسيما حين فقد أمه فى السادسة من عمره ولما توفي جده عبد المطلب فى الثامنة من عمره كفله عمه أبو طالب وكانت أم أيمن ترعاه مع أمه الثالثة فاطمة بنت أسد زوج أبى طالب.
ولما تزوج رسول الله “صلى الله عليه وسلم” السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- أعتق أم أيمن برا بها ووفاء لها، واعترافا بفضلها، وتقديرا لإخلاصها في تربيته، فتزوجت عبيد بن زيد الخزرجي، وأثمر الزواج عن أيمن، ولكن بركة فقدت ابنها بعد أن سقط شهيدا يوم حنين.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى فى كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول “صلى الله عليه وسلم”: تعرضت أم أيمن لأزمة بعد أن أشرقت شمس الإسلام، فقد بادرت إلى تصديق رسول الله “صلى الله عليه وسلم” والإيمان برسالته فاشترت نفسها من النار، غير أن زوجها عبيد بن زيد أبي الإسلام واستكبر، وأقام على شركه، فكان الفراق والانفصال عن أم أيمن محتوما.
وأما زواجها الثانى فقد روى سفيان بن عقبة قال: كانت أم أيمن تلطف رسول الله “صلى الله عليه وسلم” وتقوم عليه فقال :” من سره أن يتزوج امرأة من الجنة فليتزوج أم أيمن”.
قال: فتزوجها زيد بن حارثة، وزيد -رضي الله عنه- أحد سادات الصحابة، وحب رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ومولاه، وأحد السابقين إلى الإسلام، فلما سمع هذا الحديث من النبي “صلى الله عليه وسلم” سارع فتزوجها، فولدت له أسامة بن زيد الحب ابن الحب، وما أدراك ما الحب ابن الحب؟ -رضي الله عنه- م وأرضاهم أجمعين.
وبعد أن حظيت بحب رسول الله “صلى الله عليه وسلم” لها وتكريمه إياها، أصابها من كرم الله تعالى ما دل على رفعة منزلتها وعلو شأنها.
وقد أخرج ابن سعد فى طبقاته فقال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء فعطشت وليس معها ماء، وهى صائمة فجهدها العطش، فدلى عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فأخذته فشربت منه حتى رويت.
ولقد كانت لأم أيمن هجرتان، كانت الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة حين رافقت آل بيت رسول الله “صلى الله عليه وسلم”.
ويوم أحد أخذت أيمن -رضي الله عنها- تحثى التراب كلما مر بها فار، وتقول له: “هاك المغزل فاغزل به، وهلم سيفك”، تقصد إنه امرأة ولو كان رجلا لقاتل . وتألمت أم أيمن لما أصاب رسول الله “صلى الله عليه وسلم” من كسر رباعيته، وشق شفته، والدماء التى غطت وجهه الشريف، ولكنها قرت عينا بعد أن رأته واطمأنت على سلامته، وقد رماها أحد المشركين بسهم فسقطت أرضا، وحين رآها رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ناول سعد بن أبى وقاص سهما من غير نصل، وقال له: “ارم سعد” ، فرمى سعد من رماها فأصابه، فقال رسول الله “صلى الله عليه وسلم” :”استقاد لها سعد، أجاب الله دعوتك، وسدد رميتك”.
وتابعت أم أيمن سقايتها للعطاش وتضميدها للجراح، ولما كان يوم خيبر لم تتخلف أم أيمن عن الخروج مع النسوة اللاتى شهدن فتح خيبر، وحضرت وصول جعفر بن أبى طالب مع المهاجرين العائدين من الحبشة، وسمعت قول رسول الله “صلى الله عليه وسلم” له: “ما أدرى بأيهما أنا أسر ، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر”.
كانت أم أيمن عالية الهمة موفورة النشاط، وقد لامت ابنها أيمن لعدم خروجه إلى خيبر، غير أن أيمن كان معروفا بشجاعته، ولم يكن تخلفه عن جبن أصابه بل بسبب مرض مهره يومئذ.
ودع زيد بن حارثة زوجه أم أيمن بعد أن استعمله رسول الله “صلى الله عليه وسلم” مع جعفر بن أبى طالب، وعبد الله بن رواحة على الجيش الذى عزم على إرساله إلى مؤتة لقتال الروم، ولم يدر فى خلدها أن ذلك الوداع لا لقاء بعده، وكان زيد أول الأمراء الثلاثة استشهادا، ثم تلاه جعفر، وتبعهما ابن رواحة، ولما سمعت أم أيمن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ينعى للمسلمين شهداء مؤتة لم تجد إلا أن تعتصم بالصبر وتستسلم لمشيئة صاحب الأمر تعالى شانه وعلا سلطانه.
فلما كان يوم حنين دفعت أم أيمن بابنيها أيمن وأسامة ليخرجا مع المسلمين، وتأكد لها أن ابنها أيمن لم يكن مع الجبناء الذين فروا، ولكن كان بين الثلة التى صمدت حول رسول الله “صلى الله عليه وسلم”، واستشهد يومها دون –رحمه الله تعالى- واحتسبت أم أيمن ولدها ، وغبطت لحاقه بزوجها زيد إلى دار الأبرار مع الخالدين.
وبقيت أم أيمن -رضي الله عنها- محل تقدير للصحابة وموضع احترامهم لما يعرفونه من مكانتها عند رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ،وقد روى أنس -رضي الله عنه- قال : قال أبو بكر -رضي الله عنه- بعد وفاة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله “صلى الله عليه وسلم” يزورها فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها : ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله “صلى الله عليه وسلم” فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله “صلى الله عليه وسلم”، ولكن أبكى أن الوحى قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.
وقد روى مسلمة بن محارب قال :قال معاوية بن أبى سفيان لأسامة بن زيد -رضي الله عنه- ما : رحم الله أم أيمن، كأنى أرى ساقيها وكأنهما ساقا نعامة، فقال أسامة -رضي الله عنه- : كانت والله خيرا من هند-أم معاوية- وأكرم، فقال معاوية: وأكرم أيضا؟! فقال أسامة :نعم والله، قال الله عز وجل:{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} سورة الحجرات الآية13، فهل بعد قول الله قول لقائل ؟ فسكت معاوية.
وبعد رحيل رسول الله “صلى الله عليه وسلم” بخمسة أشهر تقريبا فارقت بركة أم أيمن الحياة، رحمها الله تعالى، ورضي عنها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

واحد × أربعة =