أم حكيم بنت الحارث القرشية المخزومية زوجات صالحات (22)

0 5

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله”. نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، القرشية المخزومية، زوجها عكرمة بن أبى جهل، كانت أم حكيم وزوجها عكرمة حربا على الإسلام، كما كان حماها أبو جهل ألد أعدائه، ورأس المتصدين لإيذائه.
قتل أبو جهل شر قتلة يوم بدر على يد ابنى عفراء، ثم مر به عبد الله بن مسعود فرآه وبه رمق فذففه واحتز رأسه، ثم حمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمدالله على قتل فرعون أمته.
ولما شهد عكرمة النهاية البشعة التى انتهى إليها والده ازداد حقدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، وكان صفوان بن أمية قد فقد والده أمية بن خلف يوم بدر أيضا فأخذ عكرمة وصفوان يدعوان إلى الثأر والانتقام لقتلى بدر.
واتفق على أن يكون اللقاء مع المسلمين في أحد، ورأت قريش أن تخرج بالنساء إلى المعركة حتى يشجعن الرجال على القتال، فكانت هند بنت عتبة مع أبي سفيان بن حرب، وريطة بنت منبه مع عمرو بن العاص وأم حكيم بنت الحارث مع عكرمة بن أبي جهل، وبرزة- أو برة- بنت مسعود مع صفوان بن أمية. وربحت قريش الجولة لأن رماة المسلمين تركوا مواقعهم على الجبل مخالفين أمر قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت الدائرة عليهم.
وكان عكرمة يوم الخندق بين الفرار من قريش. ولما كان يوم فتح مكة، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجا خرج عكرمة من مكة يريد الفرار إلى اليمن، وأيقنت هند بنت عتبة أن الإسلام قد ظهر، وأنه لن تقوم لقريش بعد قائمة، فصحبت أم حكيم وبعض الناس ثم انطلقن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعنه على الإسلام.
وهنا يبرز موقف حكيم لأم حكيم كما يقول الدكتور على أحمد الخطيب في كتابه “مواقف من حياة الصحابيات”، حيث إنها تجرأت ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبت منه الأمان لزوجها “عكرمة”، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم واستجاب لطلبها، كما استأذنته في أن تسير في طلبه، فأذن لها، وحقق على الفور رغبتيها. ولم لا وهو الذي قال لمن كان قد أهدر دماءهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة :” اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وذلك حين خاطبهم الرسول- عليه الصلاة والسلام – بقوله :” ما تظنون أني فاعل بكم؟!” قالوا : خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم” . فقال لهم قولته الشهيرة آنفة الذكر:” اذهبوا فأنتم الطلقاء”. ونرى “أم حكيم ” الزوجة الوفية المخلصة لزوجها ولدينها ونبيها محمد عليه الصلاة والسلام انطلقت إلى ساحل البحر فرأته وهو موشك على الخروج إلى اليمن، فأخذت تصيح إليه وتناديه قائلة :” يا بن عم، جئتك من أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس.. لا تهلك نفسك وقد استأمنت لك من رسول الله عليه السلام فبذل لك الأمن ” فيرد عليها” عكرمة” قائلا:أنت فعلت هذا ؟ فقالت له ” أم حكيم”: نعم، لقد كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبت لك منه الأمان فأمنك.
وهنا يثوب” عكرمة” إلى رشده، ويرجع إلى صوابه، ويصيح بأذن واعية، وقلب مفتوح إلى كلمات زوجته، فيرجع معها، فيقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى الباب ومعه زوجته “أم حكيم” ترافقه في كل خطوة يخطوها .. لماذا ؟ لأنها هى التى أخذت الأمان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذنته في طلبه وإرجاعه، وهنا تسبقه ” أم حكيم” لتستأذن في الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها، فدخلت.. ويتقدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليخبر النبى بقدوم عكرمة، فيدخل عكرمة ويعلن إسلامه.
وكان عكرمة سيدا من سادات الجاهلية- كأبيه- وبعد إسلامه استعمله الصديق على ” عمان ” حين ارتدوا، فظفر بهم. ويقال إنه لا يعرف لعكرمة ذنب بعد إسلامه، وأصبح عكرمة أشد الناس عداوة لمن عادى الإسلام.
ويقول فيه الإمام ” الشافعى “: كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام ..يقول عروة : قتل “بأجنادين”، وقيل” باليرموك”، بعد ما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة ورمية وطعنة رضى الله عنه وقد ترك أم حكيم حزينة وحيدة ، فلما مضت عدتها أربعة أشهر وعشر تطلع إلى خطبتها ” يزيد بن أبي سفيان”، كما كان خالد بن سعيد بن العاص يرسل إليها الرسل وهي في عدتها يتعرض للخطبة، ولا حرج في ذلك، حيث يقول الله تعالى :{ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكنتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور رحيم} سورة البقرة الآية235.
فرغبت في الزواج من خالد بن سعيد، فتزوجها، وكان صداقها أربعمائة دينار، فلما نزل المسلمون “مرج الصفر” أراد خالد أن يعرس بها، فقالت له “أم حكيم “: ” لو أخرت الدخول بي حتى يفض الله جموع الروم!”.
فقال خالد:إن نفسي تحدثني أنني أصاب في جموعهم هذه فنرى أم حكيم الزوج المطيعة تقول له : دونك يا خالد فأعرس بها عند القنطرة التي “بمرج الصفر”، ولذلك سميت بقنطرة ” أم حكيم ” بحوران، وأولم عليها في صبح مدخله، ثم دعا أصحابه على طعام، فما أن فرغوا من الطعام حتى صفت الروم صفوفها، ونسقت جموعها، ونظمت كتائبها، ثم يبرز رجل منهم معلم يدعو إلى المبارزة، فبرز إليه أبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري فنهاه أبو عبيدة فبرز حبيب بن مسلمة فقتله حبيب، ورجع إلى موضعه، وبرز خالد بن سعيد فقاتل فقتل، وهنا نرى لأم حكيم موقفا عظيما يدل على البسالة والشجاعة وقوة الإيمان، ورباطة الجأش، حيث نراها تشد ثيابها وتجمعها في وسطها لتقوى نفسها بها، ولتساعدها على قتال الأعداء، وتعدو عدوا، وإن عليها لدرع الخلوق في وجهها، فاقتتلوا أشد القتال على النهر، وصبر الفريقان جميعا، وسكنت الألسنة، ونطقت الأسنة، وقامت السيوف لتخطب فوق أعناق وأجساد الرجال، ولا يسمع إلا صوت الأسياف في هذه المعركة، وهي منصبة على الحديد وهام الرجال وأبدانهم.
وقد أبلت أم حكيم بلاء حسنا في هذه الوقعة، فقد قتلت يومئذ سبعة بعمود الفسطاط الذي بات فيه خالد بن سعيد معرسا بها .. وكانت وقعة ” مرج الصفر” سنة أربع عشرة، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ويقال إن الذى قتله أسلم،وقال : رأيت له حين قتلته نورا ساطعا إلى السماء رضي الله عنه، وعن أم حكيم وسائر شهداء المسلمين.
رحم الله أم حكيم، وجزاها جزاء المجاهدين في سبيله .

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.