أم ذر زوجات صالحات 19

0

إعداد – أماني أحمد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة أم ذر رضي الله عنها زوج الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، واسمه جندب بن جنادة، كانت قبيلته تقطع على الناس طريقهم، فتسلبهم حينا أموالهم، وأحيانا أرواحهم.
روى البخاري قصة إسلام أبي ذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه، اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبى صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع، فرآه على فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى أصبح.
ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبى صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به على رضي الله عنه فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان يوم الثالث فعاد على مثل ذلك فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتنى عهدا وميثاقا لترشدنى فعلت، ففعل، فأخبره، قال : “فإنه حق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعنى، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه.
حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتى يأتيك أمري» قال : والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه، حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه قال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشأم؟! فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه.
وعاد أبو ذر إلى قومه بإسلامه، فأخبر زوجته أم ذر بما حدث معه في مكة، فما ترددت في متابعته، وأعلنت إسلامها.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى في كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم”: أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقربه وأدناه، حدث أبو زميل – هو سماك بن الوليد الحنفى- عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيس ابن مريم عليه السلام”، فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يارسول الله، أفنعرف ذلك له؟ قال: “نعم، فاعرفوه له”، قال: هذا حديث حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث، فقال: “أبو ذر يمشى في الأرض بزهد عيسى ابن مريم عليه السلام”.
كان أبو ذر صادقا فى ظاهره وفي باطنه وفي عقيدته، ولم يكن يحب الصدق الصامت، بل كان يريد الجهر به، لأن الصدق موالاة للحق، وتعبير عنه، فلا ينبغي له أن يستتر.
وقد حمل أبو ذر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصية رائعة، وكان أبو ذر خير متبع لكتاب الله عز وجل، ولسنة مصطفاه صلى الله عليه وسلم، وقد سأله ذات يوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كيف أنتم وأئمة من بعدى يستأثرون بهذا الفئ؟”، قال: إذن والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقى، ثم اضرب به حتى ألقاك أو ألحقك قال صلى الله عليه وسلم: “أو لا أدلك على خير من ذلك تصبر حتى تلقاني”.
ووعى أبو ذر وصاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد سيفه، ولكنه لم يحبس لسانه عن قول الحق، ومحاربة الباطل.
كانت أم ذر وأبو ذر قد اختارا الكفاف لحياتهما، ولما حانت ساعة الرحيل وبدا أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة بكت أم ذر، فقال لها: ما يبكيك؟قالت: أبكي لا يد لي بنفسك، وليس عندي ثوب يسعك كفنا، فقال: لا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده فى نفر يقول: “ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين”، فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وفرقة فلم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول، فإني والله ما كذبت ولا كذبت قالت: وأني ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق.
قال: فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تخد بهم رواحلهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها، فقالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه، وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا أنتم النفر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم ما قال، أبشروا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من امرأين مسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسبا وصبرا فيريان النار أبدا”، ثم قد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبا من ثيابى يسعني لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم الله أن لا يكفننى رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا.
فكل القوم كان قد نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار كان مع القوم، قال: “أنا صاحبك ثوبان فى عيبتي من غزل أمي وأجد ثوبي هذين اللذين على” قال: “أنت صاحبي فكفني” فكفنه.
وفي رواية أن أم ذر وقفت بجثته على الطريق كما أوصاها فمر بها عبدالله بن مسعود مع بعض المؤمنين، فلما عرفه بكى، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك»، ثم واروه التراب.
رحم الله أبا ذر وأم ذر، لقد جاءا إلى الدنيا زاهدين وغادراها دون أن تتمكن منهما.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 × 1 =