أم رومان زوجات صالحات (1)

0

إعداد – أماني أحمد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة زينب، وقيل دعد، ولكن غلب عليها لقب أم رومان فاشتهرت به، والدها عامر بن عويمر. تزوجت أم رومان في الجاهلية من الحارث بن سخبرة الأزدى، وكانت له مكانة مرموقة في قومه، فأنجبت له مولودا اسمه الطفيل بن الحارث، وكان مقر الأسرة في السداة بجزيرة العرب.
ووجد الحارث في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ضالته، وكان ذلك قبل مبعث النبى «صلى الله عليه وسلم»، غير أنه لم يطل مقام أسرة الحارث في مكة حتى فقدت معيها الذى كانت تعتمد عليه. وخطب الصديق أم رومان، وتزوجها، وكان من ثمرة هذا الزواج أن ولدت له عبد الرحمن والسيدة عائشة التي أصبحت فيما بعد أم المؤمنين رضي الله عنها.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى في كتابه «المائة الأوائل من صحابيات الرسول «صلى الله عليه وسلم»: عاشت أم رومان وابنها في بيت أبي بكر في سعادة، وهناء، وكرم، وسخاء حتى أصاب قلبها سهم من نور السماء، حين دخل عليها أبو بكر يخبرها بإسلامه، وأن عليه مساعدة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في نشر دعوته، ونقل رسالته إلى الناس، وشرح أحكام الدين الجديد، وأدرك الصديق رضي الله عنه أن البداية يجب أن تكون من الأقارب لأنه محل ثقتهم، وموضع اطمئنانهم، وما إن دعا أم رومان لمتابعته حتى سارعت إلى إعلان إسلامها، ولكن طلب منها أن تكتم الأمر حتى يشاء الله رب العالمين. وصار منزل أم رومان أول منزل يتلى فيه كلام الله، وتخفق راية الإسلام فيه، بل تحول إلى مدرسة تنتشر من كواها أنوار الدعوة إلى الله.
ولم تكن أم رومان لتتأخر عن بذل أى جهد أو مال من أجل إعلاء كلمة الله، بل راحت تشجع أبا بكر على شراء المستضعفين من موالى قريش حتى يتخلصوا من العذاب الذى يسامونه بسبب إسلامهم، ومن ثم تحثه على إعتاقهم ومنحهم حرياتهم، وكان سرور الصديق بتشجيع امرأته له ومساعدتها إياه في إعلاء كلمة الله فوق كل وصف أو تصور.
لقد وعت أم رومان أن الإسلام حملها مسؤولية مزدوجة داخل المنزل وخارجه، ففي الداخل ينبغى لها أن ترعى زوجها وأطفالها، وفي الخارج كان على أم رومان أن تشارك رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وزوجها أبا بكر ما يلقيان من أعداء الله، وتواسيهما، وتشد من عزيمتيهما ما تمادى أهل البغى في شرورهم وطغيانهم، ولجوا في أذاهم ونكالهم.
وما أعظم فرحة أم رومان حين علمت أن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يرغب في مصاهرتها، والزواج بوحيدتها عائشة رضي الله عنها، فأى خير نزل بكم يا آل أبي بكر.وقد أمر رب العزة من فوق سبع سموات، وأرسل سفيره جبريل عليه السلام ليخبر رسوله «صلى الله عليه وسلم» بهذا الزواج الميمون.
وبعد أن أذن الله تعالى لرسول «صلى الله عليه وسلم» بالهجرة إلى المدينة، جاء إلى بيت صاحبه الصديق ليعلمه، فسأله الصحبة، وكان قد أعد راحلتين لهذا الغرض، وتمت الهجرة بسلام.
وفي المدينة أمر رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ببناء المسجد النبوى الشريف وإلحاق بعض الحجرات به لتكون سكناً لأمهات المؤمنين رضوان الله عليهن أجمعين.
لكن سحابة سوداء، وغيمة داكنة، عكرت صفو أم رومان، وأصابت حياتها بالرنق والتكدير، حين أقدم رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول على اختراع حادثة الإفك والترويج لها والإسهام في نشرها، فقد اتهم أم المؤمنين في شرفها، وأراد النيل من طهرها والإساءة إلى عفتها، متغافلا عن أن أم رومان والصديق، قد ربيا ابنتهما السيدة عائشة أحسن تربية، وغرسا في نفسها من مكارم الأخلاق والفضائل ما يجعلها في منأى من التهم والظنون والشبهات، ناسيا أن أم المؤمنين خيرة الله من النساء، وصفوة الطهر التي خص بها رسوله «صلى الله عليه وسلم».
وكانت أم رومان حين سمعت بما يخوض الناس فيه قد خرت مغشيا عليها من هول الضربة وشدة وطأتها، غير أن ثقتها وإيمانها بالله عز وجل جعلاها تعتصم بالصبر وتستمسك بحبل الله المتين، وراحت تضرع إلى الله أن يكشف عن آل بيت أبي بكر تلك الغمة، فهو وحده القادر، وهو المستعان.
وقد كتمت أم رومان الأمر عن ابنتها السيدة عائشة رضي الله عنهما رحمة بها، وشفقة عليها. ولم يلبث الحديث أن انتشر، ووصل إلى مسامع السيدة عائشة الخبر، فوقعت السيدة عائشة في غم شديد، وأدركت سر فتور رسول الله «صلى الله عليه وسلم» عنها لعدة أيام خلت، فسألته أن يأذن لها في الذهاب إلى أهلها، فأذن، ولما دخلت عليهما وجدتهما صريعى هَم، غريقى حزن شديد، فراحت تبكي وتنتحب، وتسكب الدمع الغزير، ثم أقبلت على أمها معاتبة لها كتمانها لأمر يخصها أكثر من غيرها، فقالت لها أم رومان:»يا بنية، هونى عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن، وكثر الناس عليها».
بيد أن القلوب المتعلقة بربها لا يتخلى عنها الله عز وجل عنها، ولا يدعها في محنتها، وما أحسب أن بيتا من بيوت المسلمين كان الإيمان يعمر قلوب أهله كبيت آل أبي بكر! ولما أذن الله تعالى بكشف هذه المحنة القاسية بعث سفيره جبريل عليه السلام إلى رسوله «صلى الله عليه وسلم» يبشره ببراءة أهله ويفضح فرية المفترين، بقرآن يتلى إلى أبد الآبدين، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ …. إلى قوله عز وجل: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) سورة النور الآيات من (11-20).
ولما سرى عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قام يزف البشرى إلى السيدة عائشة، وغمرت الفرحة البيت النبوي المطهر، وبيت أبي بكر، وبيوت المسلمين، وباء المفترون بالخزى المهين.
وفي غزوة حنين آن لأم رومان أن ترتاح فأدركتها الوفاة، ونزل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في حفرتها وقال:»اللهم إنك تعلم ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك»، وقال: «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان»، واستغفر لها، رحمها الله تعالى، وأنزلها دار المتقين، ورضي عنها وأرضاها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

5 − 3 =