أم عمارة… نسيبة بنت كعب زوجات صالحات (21)

0 10

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله”. نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة نسيبة، والدها كعب بن عمرو بن عوف، من بني مازن بن النجار، والدتها الرباب بنت عبدالله، تزوجت في الجاهلية زيد بن عاصم فولدت له عبدالله وحبيبا، فكانا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما مات زوجها خلفه عليها غزية بن عمرو فأنجبت له تميما وخولة.
كانت نسيبة من السابقين الأوائل إلى الإسلام، فقد أسلمت على يد مصعب بن عمير ونذرت هي وزوجها غزية وولداها عبدالله وحبيب ابنا زيد لرفع راية الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وجادوا بالكثير من دمائهم في سبيل هذا الهدف النبيل.
يقول الدكتور علي أحمد الخطيب في كتابه “مواقف من حياة الصحابيات”: كانت أم عمارة ذات جد واجتهاد، وصوم ونسك وشهدت بيعة العقبة وتقول أم عمارة عن بيعتها يوم العقبة”: كانت الرجال تصفق على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، والعباس آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بقيت أنا وأسماء بنت عمرو بن عدي، إحدى نساء بني سلمة، وهى “أم منيع” نادى زوجي “غزية بن عمرو”: يا رسول الله، هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعنك. فقال عليه السلام: “قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه، إني لا أصافح النساء” وهي التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن”، فنزل قول الله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما). سورة الأحزاب الآية35.
وكانت نسيبة بنت كعب رضي الله عنها مجاهدة في سبيل الله، وقد ضربت أروع الأمثلة في التضحية والفداء. فلها موقف مشرف يوم “أحد” يدل دلالة حاسمة على قوة إيمانها، وذلك حين اشتركت اشتراكا فعليا في الحرب ودافعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف المسلمون، وكان يوم بلاء وتحميص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وجرحت شفته، وكان الذي أصابه ” عتبة بن أبي وقاص”، وسال الدم من وجهه الشريف، وجعل عليه السلام يمسح الدم وهو يقول: “كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم!”، فأنزل الله عز وجل فى ذلك: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) سورة آل عمران الآية 128.
ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي حفرها “أبو عامر” ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك ابن سنان -وهو أبو أبي سعيد الخدري – الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده، يعني ابتلعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من مس دمي دمه لم تصبه النار” وقال عليه السلام: “من أحب أن ينظر إلى شهيد على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله”.
وموقف أم عمارة في هذه الغزوة عظيما مشهودا، فقد روي أن “أم سعيد بنت سعد بن الربيع” كانت تقول: “دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك يوم أحد. فقالت أم عمارة: “خرجت أول النهار إلى أحد وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه رضي الله عنه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمى بالقوس حتى خلصت الجراح إلى ..”. قالت أم سعيد: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت: “من أصابك بهذا؟ قالت أم عمارة”: ابن قميئة أقمأه الله… لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يصيح قائلا: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا.. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، وقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان”.
وبلغت شجاعتها أن قتلت يومئذ فارسا من المشركين، ونالت شرف الجهاد، والذود عن الرسول صلى الله عليه وسلم، واستحقت ذلك الوسام العالي الرفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شهد لها بالشجاعة وحسن البلاء والتفاني في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: “ما التفت يوم أحد يمينا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني”.
وفي اليوم التالى لهذه الغزوة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتعقبوا المشركين إلى “حمراء الأسد”، فشدت أم عمارة عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، ومكث المسلمون ليلتهم يكمدون الجراح حتى الصباح. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من “حمراء الأسد” لم يذهب إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها، فرجع إليه يخبره بسلامتها، فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
وشاركت أم عمارة في أكثر الغزوات بنفسها وأبلت بلاء حسنا، حتى لقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لها ولزوجها وأولادها أن يكونوا جميعا رفقاءه في الجنة.. وكان يقول له: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة! بارك الله عليكم من أهل البيت.
وقد كان لها موقف عظيم فى حرب اليمامة، حيث خرجت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فاشتركت في حروب الردة، اشتراكا فعليا، وباشرة الحرب بنفسها حتى حقق الله للمسلمين النصر، وقتل مسيلمة الكذاب، ورجعت يوم ذاك وبها عشر جراحات بين طعنة وضربة. وفي رواية أخرى أنها قاتلت حتى أصيبت يدها، وجرحت يومئذ اثني عشر جرحا ما بين طعنة وضربة. وقد أكرمها أبو بكر الصديق والفاروق عمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفا لها مكانتها، وكانت من رواة الحديث ومنه ما رواه حبيب بن زيد قال: سمعت مولاة لنا يقال لها ليلى تحدث عن جدته أم عمارة بنت كعب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعت بطعام، فدعاها لتأكل، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا”.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.