أم كجة الأنصارية زوجات صالحات (7)

0

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته -حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة أم كجة امرأة فاضلة من فواضل نساء الأنصار، تزوجت من أوس بن ثابت الأنصارى، وهو من بنى عدى بن عمرو بن مالك، ينتهى نسبه إلى بنى النجار فى المدينة.
كان أوس بن ثابت أحد الذين حضروا بيعة العقبة الثانية مع أشراف قومه، وشهد استقبال أهل المدينة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين هاجر إليها، وشارك فى بناء المسجد النبوى الشريف.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى فى كتابه „ المائة الأوائل من صحابيات الرسول – صلى الله عليه وسلم“: كانت أم كجة وزوجها أوس على وفاق تام، وأتم انسجام، وتمسك بالإسلام، فالمرأة مطيعة لزوجها ترعى حقه وتحفظه فى ماله ونفسها، والزوج يعرف حقوق زوجته، ويقدرها حق قدرها، حتى كانا نعم الشريكين أحدهما للآخر، وتمكنا من بناء بيت متين أقاماه على دعائم الإسلام، وحصناه بنور الإيمان.
وكانت أم كجة تحضر مع النساء مجالس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لينهلن من حديثه من رواء الحجاب، وكان أوس لا يتخلف عن مجالس الرجال، والصلاة خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ورزقا الزوجان بطفلة أيام الجاهلية، فاتفق أوس مع زوجه أم كجة على الإبقاء على حياتها، ولم يعمدا إلى وأدها كما كان قومهما يفعلون .
وكانت أم كجة رضى الله عنها إذا فرغت من صلاتها وأدت واجباتها تجاه زوجها وصغيرتها تعكف على رقاع من الجلد، أو سعف النخل لتقرأ ما كتبه عليها زوجها من آيات القرآن، لتحفظ منها ما استطاعت.
وذات يوم دخل أوس على زوجه مسرعا، فأخذ سلاحه ولبس لباس الحرب، وأخبرها أنه ماض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر لقتال المشركين من قريش، وإعلاء كلمة الله، فلم يجد منها توهينا لعزيمته، ولا تثبيطا لهمته، ولم تقل له : إلى من تكلنى؟ لأنها تعى أن الله ولى المؤمنين ومولاهم، وأن الكافرين لا مولى لهم، لقد دعت له وللمسلمين بالنصر والعودة سالمين غانمين منصورين لأعدائهم داحرين.
وقالت لزوجها:“ وددت لو أنى خرجت معكم لمجاهدة المشركين، حتى أفوز بثواب المجاهدين مثلك لنكون متعادلين“ ولم يجد أوس بدا من أن يبتسم ، ثم قال لها :“ يا أم كجة، أنسيت أنك حامل فى شهرك الأخير، ولا يصلح لك أن ترافقينا إلى ساحات القتال؟ ومن الذى يرعى طفلتنا فى غيابك؟ ثم إذا كان جهادى لا يكفيك، فإنى معاهدك على أن أقاتل بجهد مضاعف ليكون الأجر ضعفين لى ولك، فماذا تقولين؟“. ولم تجد أم كجة إلا أن تبتسم، ثم ودعت زوجها ببعض الدعوات الطيبة له وللمسلمين.
وعلى أرض بدر كان أوس بن ثابت يجاهد الكفرة أعداء الدين، بينما كانت أم كجة تكابد آلام المخاض، وما هي إلا سويعات حتى وضعت طفلتها الثانية، فتقبلتها بفرحة وسرور.
ومنح الله لرسوله وللمؤمنين ما وعدهم من النصر، وعاد البطل أوس إلى طفلتيه وامرأته ليغمرهن بعطفه وحنانه.
ولم يستطع أوس منع أم كجة من الخروج إلى أحد، لقد تركت ابنتيها عند أمها، وهي إن لم تكن متمرسة على القتال، لكنها قادرة على معالجة الجرحى، وتهيئة الضمادات، وسقى العطاش من المجاهدين، لقد كانت أم كجة تؤاقة إلى الجهاد، وها هى ذى تحقق حلمها فى أحد بصحبة زوجها أوس.
وعلى الرغم من أن عدد المسلمين كان سبعمائة، والمشركين ثلاثة آلاف فإن بداية المعركة رجحت كفة المسلمين، لكن ترك رماة المسلمين مواقعهم التى أمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا يبرحوها مهما كانت نتيجة المعركة، إلا أن الرماة تركوها حتى لا تفوتهم الغنائم التى خلفها المشركون على أرض المعركة، حيث انفض خالد بن الوليد وكان مشركا يومئذ على رماة المسلمين من خلفهم وأعمل فيهم القتل وهزم المسلمون هزيمة قاسية بعصيان الرماة أوامر قائدهم الأعظم -صلى الله عليه وسلم.
ورأت أم كجة ما أبداه زوجها أوس من شجاعة فى مناجزة المشركين، غير أنه اخترق صفوف العدو، وغاب عن عينيها وسط الزحام فلم تعد تراه. ولم توقف هدير المعركة أخذ نساء الأنصار ينظرن القتلى، ولمحت أم كجة فارسها راقدا بلا حراك وقد غرق جسده الطاهر بدمه، فراحت تسترجع وتستغفر، وتنازعها حزن وسرور فى وقت معا، فالحزن لأنها وابنتيها أصبحتا دون معيل، والسرور لأن زوجها فاز بالشهادة.
وفيما كانت أم كجة تكابد آلام فراق شهديها الغالى جاء ابن عم أوس وسلب كل ما خلفه من مال دون أن يترك له ولابنتيها أى شئ تستعين به فى تدبير معاشها وفقا لتقاليد الجاهلية الظالمة.
وذهبت أم كجة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتخبره بما كان، فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عم أوس وسأله عن المال فقال: يا رسول الله، ليس لها ولد يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ولا يقتل عدوا، ونظام الجاهلية لا يورث النساء ولا الصغار إذا مات الزوج فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم :“ انصرفوا، حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن“.
وقعدت أم كجة مع ابنتيها ينتظران أمر الله تعالى فى أمرهن، وقد استقر فى روعها أن الله يأبى الظلم لأن العدل واحد من أسمائه الحسنى.
ونزل قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11(} سورة النساء الآيات7-11.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كجة وابنتيها وابن عم أبيهما، وقال للرجل:“أعط البنتين الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقى فهو لك„، فهل بعد عدالة السماء مطلب لأحد أو رجاء؟ رحم الله أم كجة وجزاها عنا خير الجزاء ورضى عنها وأرضاها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة × 2 =