أم معبد زوجات صالحات 18

0

إعداد – أماني أحمد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة عاتكة، والدها خالد بن خليف، وحين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب ليخلص من أذى المشركين ونكالهم به وبأصحابه رضي الله عنهم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يصحبه أبو بكر الصديق أول من آمن برسالته، وصدق بدعوته، فدخلا غارا في جبل ثور، ودخل أبو بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتحرى له داخله لئلا يجد شيئا يؤذيه، فيتلقاه دونه، وبقيا في الغار ثلاثة أيام.
وكان عبدالله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه يأتيهما بأخبار قريش وتحركاتها، وكانت أخته أسماء- ذات النطاقين- رضي الله عنها تأتيهما بالطعام والشراب، فلما يمما شطر يثرب صحبهما عامر بن فهيرة مولي أبو بكر وعبد الله بن أريقط أحد الأدلة الذي يعرفون الطريق إليها، وكانت أشعة الشمس شديدة الوطأة، ورمال الصحراء تكاد تشتعل من فرط الحرارة.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبي في كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم”: بعد أن قطع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بعض الطريق، لمحوا عن بعد خيمة رابضة فوق الرمال الملتهبة، فاتجه موكبه الشريف إليها، وكانت الخيمة لأم معبد- وهي كنية عاتكة – وزوجها أبو معبد، نصباها على طريق الركبان لاستضافتهم، والعيش على ما يقدمونه من أعطيات.
وقد روى البيهقي رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبوبكر وعامر بن فهيرة مولي أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمة أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية .
وكانت أم معبد امرأة برزة، جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، فتطعم وتسقي من يمر بها، فسألوها: هل عندك لحم أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القري، وإن القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها، فقال: “ما هذه الشاة يا أم معبد؟” فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “فهل فيها من لبن؟” فقالت : هي أجهد من ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “أتأذنين لي أن أحلبها؟” فقالت: إن كان بها حلب فاحلبها، وفي رواية: قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبا فأحلبها.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها، وذكر اسم الله، ومسح ضرعها، وفي رواية: ظهرها، وذكر اسم الله، ودعا بإناء لها يربض الرهط وتفاجت واجترت، وفي رواية: درت، فحلب فيه ثجا حتى ملأه، فسقى أم معبد، وسقى أصحابه، فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم آخرهم، وقال: “ساقى القوم آخرهم شربا”، ثم حلب صلى الله عليه وسلم فيه ثانيا عودا على بدء، وغادره عندها، وفي رواية: قال لها صلى الله عليه وسلم: “ارفعى هذا لأبي معبد إذا جاءك” .
ثم ارتحلوا ، فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا، مخهن قليل، فلما رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد، ولا حلوب في البيت، والشاء عازب حيال ؟! فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، كان من حديثه كذا وكذا، وفي رواية: كيت وكيت، فقال: صفية لي يا أم معبد.
وعن وصفها الدقيق للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة ، ولم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، كلامه فصل، لا نزر، ولا هذر، كأنه منطقه خرزات نظم يتحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب، ربعة، لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، عصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادرا لأمره، محفود، محشود، لا عابس، ولا مفند.
فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، وفي رواية : لو رأيته لاتبعته، ثم قال : والله لأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأسلمت أم معبد هي وزوجها وهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم،وبايعاه .
ويذكر عن دفاعها عن رسول الله ودينه وهو لما علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه ضيفين على أم معبد في خيمتها، بعثت نفرا من سفهائها في أثرهما، فلما وصلوا إليها فوجئت أم معبد بمجيئهم ورأت الشر يتطاير من أعينهم، فقال قائلهم :أين محمد يا أم معبد؟
فردت – وهي تخشى عليه منهم- بقولها: أو تسألوني عن أمر ما سمعت به قبل عامي هذا؟ فقالوا: إنك تعلمين أين ذهب! فقالت: ما أدري ما تقولون.
ولما ألحوا في سؤالها ، واستبانت الغدر في وجوههم، قالت لهم: لئن لم تنصرفوا عني حالا، لأصرخن قومي عليكم، وعندها لن تبرحوا مقامكم هذا سالمين.
وحين تبادلوا الرأي آثروا الرجوع على قومهم، لأنهم أيقنوا أن أم معبد عزيزة في قومها، وأن صوتا واحدا تطلقه كاف لنجدتها، ورضوا من الغنيمة بالإياب، فهم غير مستعدين لقتال قد يخسرون رؤوسهم فيه، وانقلبوا إلى قومهم صاغرين.
لقد شربت أم معبد وزوحها أبو معبد اللبن الذي حلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه الشريفيتين، ولم يعلما أن اللبن لم يدخل جوفيهما وحده، بل تسلل معه نور الإيمان، وسرى في عروقهما كما سرى اللبن، وكما منحهما اللبن الشبع البدني منحهما الإيمان الارتواء الروحي فأصبحا مسلمين.
فما أعظم الخير الذي أصابه أهل الخيمة من الضيف الكريم، والرحمة المهداة إلى العالمين!
رحم الله أم معبد، وأبا معبد، ورضي عنهما، وجزاهما خير ما جزى به عباده الصالحين!

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

7 + اثنا عشر =