محبرة وقلم

“أنانية شاعر”: إنما دنياي نفسي فإذا تلفت نفسي فلا عاش أحد محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

بيت شعر يثير الدهشة والاستغراب، كثير ممن يطالعونه لا يقتنعون به ولا ألومهم على ذلك، فالبيت به كثير من الأنانية والنرجسية وحب الذات، ومع ذلك فهناك مجموعة من الناس تقبل بهذا النهج والمعنى وتقول: نفسي ثم نفسي ثم نفسي فالناس أيها السادة مذاهب، والله سبحانه وتعالى له في خلقة شؤؤن، معنى هذا البيت يذكرنا بعبارة لويس الرابع عشر مالك فرنسا (أنا ومن بعدي الطوفان) الحقيقة أن حب الذات خادع، يعمي البصر والبصيرة، ويؤثر تأثيراً سلبيا على العلاقات الأسرية والاجتماعية، فالناس لا تقبل الأناني لأنه يكثر من ذكر نفسه ولا يذكر غيره، والأنانية شجرة أغصانها الحسد والغيرة والغيبة والحقد والكراهية والبغضاء والنقمة وعدم القناعة، كما أن الأناني لا يستطيع الاستتار، وفي اللغة تسمى الأنانية (الأثرة) وهي إيثار النفس على الغير، وهذا ما نهانا عنه ديننا الحنيف، روى البخاري ومسلم أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وأثنى المولى على الأنصار فقال عز من قائل: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} الحشر 9-، فهل بعد القرآن الكريم وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم شيء؟ تعالوا معي الآن إلى هذا الشاعر الأناني المحب لنفسه ولنتأمل ما يقول:
لا تبع لذة يوم لغد
بخداع النفس منها لم تعد
أو ما خبرت عما قيل في
مثل باق على مر الأبد
إنما دنياي نفسي فإذا
تلفت نفسي فلا عاش أحد
ليت أن النفس بعدي غربت
ثم لم تطلع على أهل البلد
صاحب هذه الأبيات أبو أنيس المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون بن بطلان، وهو معروف بابن بطلان، من أهل بغداد عاش أواخر القرن الرابع الهجري وإلى منتصف القرن الخامس تقريبا، هو طبيب نصراني مشهور في وقته، قرأ الكثير من الكتب الحكيمة ثم حذق في الطب وزاول هذه المهنة بمهارة وصنف الكثير من الكتب الطبية، وكان واسع الثقافة، رحالة من النوع الفريد، عرف بعبقريته في مداوته للمرضى، وكان لتنوع اهتماماته الأثر الكبير في شهرته الواسعة، له رحلة إلا أنها مبعثره الأجزاء هنا وهناك، يذكر أن أكبر أجزاء هذه الرحلة محفوظ بشكل رئيسي في كتابي القفطي (أخبار العلماء بأخبار الحكماء) ومعجم ياقوت الحموي الشهير الذي يستعيد مقاطع منها كلما واتته الفرصة، وكذلك في (طبقات الأطباء) لابن أبي اصيبعة المهتم بجمع سيرة ابن بطلان، أما رحلته فكانت سنة 439هـ، خرج من بغداد يريد مصر مرورا بحلب سنة 440هـ في شهر رمضان ثم كتب رسالته سنة 441هـ، ثم ذهب إلى انطاكية وانقطع إلى العبادة وتوفي فيها سنة 446هـ، وكان قد زار القسطنطينية، ومن كتبه: تقويم الصحة ودعوة الأطباء، والأديرة والرهبان، وغيرها. ولابد من الإشارة هنا إلى أن الأبيات التي ذكرت نسبتها إلى بطلان، قد نسبها المرزباني في كتابه معجم الشعراء لمحمد بن أبي الأزهر (مزيد) الكاتب والأديب والشاعر الذي كان يستملي لأبي العباس المبرد.
وما دمت تحدثت عن الطبيب ابن بطلان، فلا بد أن نعرف أن الطب عربي وليس غربياً، وأول طبيب عربي الحارث بن كلدة الثقفي وهو جاهلي إسلامي، ولد بالطائف ويعتبر أول عربي مسلم شخص الداء والدواء، تعلم الطب في اليمن ، ومع معرفته التامة بالطب كان موسيقيا بارعاً، وكان في الجاهلية طبيبا لامبراطور فارس كسرى أنو شروان، عاصر آخر سني عمره حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر الصديق، يروى عن سعد بن أبي وقاص انه قال: مرضت بمكة المكرمة، فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ادعوا الحارث بن كلدة فإنه رجل يتطبب، فجاء الحارث ونظر إلي وقال: ليس بك بأس، اتخذ فريقة بشيء من تمر عجوة وحلبة يطبخان، ففعلت ذلك فشفيت، (والفريقة طعام) – انتهى – ذكر الليث بن سعد بسند متصل أن أبا بكر الصديق والحارث بن كلدة، كانا يأكلان (خزبرة) أهديت لأبي بكر، فقال الحارث لأبي بكر: أرفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إن فيها لسم سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد، فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة (أخرجه ابن سعد في الطبقات) أما أشهر الأطباء العرب المسلمين فأربعة هم : أبو بكر الرازي (250هـ -311) صاحب كتاب الحاوي في الطب، وابن سينا (370هـ -427هـ) أبو علي الحسن بن عبدالله، والجراح الشهير أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي الذي توفي بقرطبة سنة 400هـ، وابن النفيس الطبيب الدمشقي القرشي أبو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحزم الخالدي المخزومي (607هـ – 687هـ) والحديث يجر بعضه بعضا.

أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com