أنتم الأعلون!

د. حازم علي ماهر

د. حازم علي ماهر

لا يزال الحديث موصولا عن ضرورة إصلاح صورة الذات السلبية لدى المسلم المعاصر المقيدة لمقاومته حالة الوهن التي تمكنت منه تجاه قهره وإهداره والتسلط عليه على يد مستكبرين استخفّوا به واستغلوا ضعفه وهوانه وتراجعه المتراكم عبر الزمان والمكان، مما أورثه حالة من العجز والانكسار أضعفت ثقته بنفسه وبقدرته على استعادة مكانته التي تليق به وسط البشر، وهي مكانة “الشهود الحضاري”، لا “القعود الحضاري”!
والواقع أن التركيز على انتشال المهزوم من السقوط في براثن الإحساس بالعجز والهوان هو منهج قرآني أساسًا؛ فقد حرص المولى عز وجل على أن يغير الصورة الذهنية لدى المسلمين بعد هزيمتهم في غزوة أحد –على سبيل المثال- وأمرهم بألا يهنوا ولا يجزعوا من تلك المصيبة التي أصابتهم، واستبدل بها صورة أخرى، هي صورة المؤمن المعتز بنفسه الواثق من انتصاره مستقبلا بشرط أن تتوافر لديه الثقة في موعود الخالق –سبحانه- بالنصر والتمكين، وملاحظة أن أعداءه سبقوا أن ذاقوا من كأس الهزيمة نفسه، وهي سنة ربانية؛ تداول النصر بين الناس ابتلاءً وتمحيصًا لهم في أحوال متباينة ليعلم المجاهدين منهم والصابرين، وليميز الخبيث من الطيب، وليمحق الكافرين ويملي للظالمين، اذ قال تعالى: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” (آل عمران:139)، و: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (آل عمران:200).
الاستعلاء.. مفهوم يخالف منظومة الأخلاق الإسلامية.
وهنا يجدر التنبيه أن البعض قد عبر عن العلو الإيماني بمفهوم “الاستعلاء”، وهو تعبير غير موفق –من وجهة نظري- باعتباره قد يؤدي إلى الشعور السلبي المنافي للأخلاق بالتعالي على الناس، مما أدى (أو بالأحرى أودى) بالبعض إلى الاستكبار العنصري على بقية المسلمين بحجة أنهم أكثر منهم إيمانًا، بينما مقصود الآية هو “الاعتزاز”، وهو مفهوم إيجابي أقرب إلى حقيقة ما يأمر به الإسلام من تواضع ولين الجانب مع ثقة كبيرة في النفس المعتزة بدينها.
وقد سبق أن خاطب الله سبحانه سيدنا موسى (عليه السلام) بالخطاب نفسه حينما “أوجس في نفسه خيفة” حين ألقى سحرة فرعون عصيهم وخدعوا أبصار الناس فرأونها ثعابين، فثبت سبحانه قلب موسى ونهاه عن الخوف: “قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى” (طه: 68)، إنه الاعتزاز الإيماني نفسه الذي يعصم الإنسان من الشعور بالعجز والخوف والانكسار والمذلة والاستكانة لغير الله.
ولذلك يلاحظ أن الطعن في الإسلام يزداد مع شدة التسلط على المسلمين والرغبة في السيطرة عليهم باعتباره هو العاصم لهم من الاستسلام لغير الله عز وجل، وهو ما نلمسه حالياً من الهجوم السياسي عليه عبر أذرع إعلامية جبارة تبث سمومها وافتراءاتها لتشويه الإسلام في جميع أنحاء العالم، باتهامه –خلافًا للحق وللحقيقة- تارة بأنه دين إرهابي، وتارة باتهامه بأنه يظلم المرأة، وتارة بوصمه بمعاداة الحرية (ويقصدون بها غالباً الانفلات والانحلال لا التحرر من هيمنة البشر وسيادة النزعة الاستهلاكية عليهم جميعا)، وتارة أخرى بالتشكيك في الفقه الإسلامي وإظهاره بمظهر الفقه المتخلف وغير العقلاني عبر تتبع بعض الفتاوى الشاذة فيه مثلما تتتبع الخنازير القمامة وسط الحدائق الخضراء، وتارة عبر القتل المعنوي المتعمد لرموزه التاريخية والدعوية، بل ولمن يرفعون شعاراته، بالحق أو بالباطل!
هذه الأكاذيب من شأنها أن تضعف ثقة كثير من المسلمين في دينهم بسبب ضعف اطلاعهم أصلا على عظمته وجهلهم بقوته الذاتية، فتجتمع عليهم إلى جانب مصيبة فقدان ثقتهم في ذواتهم، مصيبة اهتزاز ثقتهم في دينهم الذي يمنحهم المعنى والأمل والعزة، ويدفعهم لمقاومة كل محاولات استعبادهم عبر الاعتصام بالله والتوكل عليه سبحانه، فيقعدون ويستكينون عكس ما يفعل المؤمنون حقًا “الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” (آل عمران: 173).
ومن هنا ندرك أن إصلاح صورة المسلمين عند ذواتهم حتى يتخلصوا من الضعف والوهن والاستكانة مرتبط ارتباطًا لازمًا برسوخ إيمانهم وبثبات عقيدتهم الدينية وبالحفاظ على ثقتهم في الإسلام، وهو الأمر الذي ينبغي التفات المصلحين إليه بدلا من استدراجهم إلى هاوية جلد الذات، أو هاوية الانشغال بمسائل سطحية تنتمي إلى الماضي فإذا بهم يساهمون في إحيائها بما يلهيهم عن التصدي للقضايا الكبرى والاستجابة للتحديات المعاصرة.
وهكذا فإن الخروج من الوهن يستلزم أولا إصلاح التصورات الذهنية للواهنين المنكسرين؛ فيدركون أن القهر حدث نتيجة لتراكمات تاريخية قديمة لا ذنب لهم فيها غالبًا، بل تتحملها أجيال سابقة، ويعلمون أن ذلك لا يعفيهم من المسؤولية عن العمل الجاد المخلص على التخلص من هذا القهر لا الاستسلام له كما هو ديدن الكثير من المسلمين المعاصرين للأسف الشديد، ويؤمنون أنهم غير مكلفين شرعًا إلا ببذل غاية الوسع في دفع هذا البلاء في حدود قدراتهم مع التوكل على الله وحده في ذلك، ويَعُون بأنهم هم الأعلون بإيمانهم وبأخلاقهم وبتاريخهم العريق، وأن الهجوم المتواتر على دينهم الآن يرجع إلى قوته وقدرته على انتشالهم من القاع وإعادتهم إلى القمة، ومن ثم يستأصلون الوهن من قلوبهم، ويستردون مناعتهم وعافيتهم تمهيدًا للانطلاق إلى الأمام واثقين معتزين بأنفسهم وبقدرتهم على الإقلاع من جديد، فيطرحون سؤال العمل بعد أن أجابوا عن سؤال العزة، وهذا هو موضوع المقال المقبل.

كاتب وباحث مصري