بقايا خيال

أنتم بعيدون عن الواقع بقايا خيال

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يوسف عبدالكريم الزنكوي *

الكاتب الياباني نوبواكي نوتوهارا يصف العرب في كتابه «العرب .. وجهة نظر يابانية» فيقول: هناك حقائق في الدين وفي الكتب وفي أقوال القادة السياسيين، ولكن الحقائق الموجودة في الوقائع لابد أن نكتشفها بأنفسنا. دراسة الوقائع مهمة دائما لأنها تتضمن حقائق جديدة لابد أن نواجهها. بالنسبة للرأي السائد لدى معظم المسلمين فإن القرآن الكريم يحتوي على الحقائق كلها جاهزة كاملة! إذا كيف يواجه الناس الوقائع الجديدة؟ لذلك فالعربي يتناول أفكاره من خارجه (الكاتب يقصد من خارج واقعه الذي يعيشه) بينما عندنا في اليابان مثلا الناس يستنتجون أفكارهم من الوقائع الملموسة التي نحياها كل يوم. وفي مجتمع كمجتمعنا نضيف حقائق جديدة. بينما يكتفي العربي باستعادة الحقائق التي قد اكتشفها في الماضي البعيد. استدرك فأقول هناك أفراد عرب يتعاملون مع الواقع والحقائق الجديدة ولكنهم أفراد فقط لا يشكلون تيارا اجتماعيا يؤثر في حياة الناس.

انتهى الاقتباس
كلام الكاتب نوتوهارا صحيح فنحن لا نحاول أن نستنبط أفكارنا ومبادراتنا من واقعنا المعاش، ولكننا نحصل عليها من الماضي كوجبات جاهزة من خارج الواقع الحاضر. فبينما العالم المتقدم يستنبط آراءه وأفكاره وإبداعاته من دنياه الحاضرة الملموسة ومن حياته اليومية ليتمكنوا من أن يضيفوا آراء وأفكار ومبادرات جديدة ليحددوا حياتهم، نجد أنفسنا وكأنها لا تكل من تحضير أرواح الماضي السحيق ولا تمل من استعادة أحداث تاريخية قديمة من أجل مطابقة الحاضر بها أو من أجل إعادة تأهيل الحاضر مع ما يناسبه من الماضي.
ولو بحثت في كل الحضارات الإنسانية كالحضارة المصرية أو الصينية أو حضارات ما بين النهرين في الهند والعراق أو الحضارة الرومانية أو الإغريقية لوجدت إثباتات مكنوبة ومحفورة ومرسومة منذ آلاف السنين ومحفوظة إلى يومنا هذا، ولا ينظرون إليها إلا كتاريخ لحضارات سادت ثم بادت، ولا يأخذون منها شيئا لمطابقتها مع واقعهم المعاش، ولا تجد عندهم مخطوطة قديمة واحدة تقول: قال فلان وقال علان وقال فلنتان إلا في الحضارة الإسلامية التي يستخدمها الكثيرون كمنهج لحياتنا الحاضرة في كل شيء، ولمطابقتها على كل لحظة من لحظات معيشتنا الحالية. ورغم أن هناك من يحاول أن يتعامل بإيجابية مع أحداث الحاضر والتكيف مع مستجداته ويبادر بالتفاعل معها حسب متطلبات الواقع بعيدا عن باليات الماضي، إلا أن هؤلاء الإيجابيين يعتبرون قلة غير مؤثرة على العامة بسبب قوة التيار الذي يجر معه أشلاء الماضي وبسبب غياب الوعي العام وبسبب تغييب القوانين.
ولهذا أعتقد أن الكاتب الياباني قد أصاب كبد الحقيقة وأكد صحة ما ذهب إليه، فما عليك إلا أن تتفحص مضامين الرسائل النصية والفيديوهات التي يتبادلها العرب فيما بينهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتكتشف أنها كلها – إن لم تكن أغلبها – تتحدث عن الماضي البعيد وتضرب أمثلة بالماضي الذي يعود إلى ما قبل ألف سنة أو تزيد وكلها نصائح وحكم وعبر إسلامية الطابع وكأن المتلقي لهذه الرسائل قد دخل الإسلام للتو، فيهل عليه المتطوعون يعلمونه مبادىء الإسلام الصحيح، أو كأن المتلقي بحاجة إلى إعادة تأهيل معتقداته الدينية، فيغرقونه بسيل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحكم والأمثال ذات العلاقة بالأخلاق الحميدة. وهؤلاء المرسلون المتطوعون الذين يتسابقون على تذكير الآخرين بكل ما يتعلق بالدين الإسلامي رغم أن أضعاف ما يرسلونه متوفر في “غوغل” على الإنترنت، هؤلاء هم في الغالب غير مؤثرين اجتماعيا، ومع ذلك يركزون على الماضي ويغضون الطرف عن الحاضر المعاش، لماذا؟ لأن الواقع المعاش بمجمله متروك في تصرف الأنظمة وفي عهدة الحكومات كي تفعل به ما تشاء تماما كما تفعل بالشعوب ما تشاء.

اعلامي كويتي