المولود الأول يتحمل أعباء أسرية قد تفوق طاقته

أنت الكبير… مسؤولية بلا امتيازات المولود الأول يتحمل أعباء أسرية قد تفوق طاقته

الكبير... مسؤولية

القاهرة – عـلاء الدين سـالم:
ما ان يتجاوز الطفل الأول، مشكلة الغيرة من اخوانه الصغار بسبب صرف الانتباه عنه، لصالح هؤلاء الصغار بعد أن كان محور اهتمام ورعاية الأبوين والأسرة، حتى يصطدم بمشكلة أكثر تعقيدًا تزيد من شعوره بالظلم، تكمن في عبء المسؤولية التي يلقيها الأبوان بشكل ارادي أو لا أرادي عليه ومتابعة الرعاية اليومية لهؤلاء الصغار، حال انشغالهما داخل البيت او خارجه.
تلك المسؤولية المبكرة التي يحملها الطفل الاول رغمًا عن أنفه، تشكل معاناة يومية له وتحرمه من الاستمتاع بالمرحلة العمرية التي يعيشها وتكمن مخاطرها في بعض الأحيان في تقوية نوازع التسلط والعنف مستقبلاً تجاه أخوانه وتحديدًا البنات، بشكل يهدد العلاقات الاجتماعية والأسرية بينهم.
قديمًا كانت تلك عبارة «أنت الأخ الكبير»مصدراً لشحذ هّمة الأطفال الأكبر سنا واضطلاعهم بالمسؤولية تجاه ليس اخوانهم وكيفية ادارة الأمور الحياتية داخل الأسرة، غير أن التوازن الذي عرفه الأجداد يفتقده آباء وأمهات اليوم، بحيث باتت تلك العبارة مرتبطة بالأشياء السلبية فقط كواجب الجلوس بالمنزل لرعاية الصغار في غياب الأبوين أو الاهتمام بهم خارج المنزل والحفاظ عليهم في النادي والطريق والمدرسة، أو التنازل عن الاحتياجات والحاجات الخاصة به لصالح الصغار، لدرجة أنهم باتوا يكرهون سماع كلمة «أنت الكبير»، بل بدأ الكثير منهم يبدأ تدريجيًا في أن يكره كونه الابن الأكبر داخل الأسرة.
وللتعرف عن تلك المشكلة، كان من الواجب مناقشة طرفيها أولاً قبل طرحها على المتخصصين لايجاد الحلول النفسية والاجتماعية لها حتى لا تتطور لحالة مرضية مستقبلية يعاني منها الجميع.

مأسـاة المسؤوليـة المبكـرة
فجأة أحسست بعبء المسؤولية رغم صغر سني فعمري لا يتجاوز 15 عامًا، هكذا بدأت سلمي 16 عامًا حديثها معنا، فأمي تطالبني دومًا أن أكون أم بديلة أخواتي الصغار، ففي البيت مطلوب مني أن أرعى واهتم بهم حال انشغالها خارج البيت في العمل أو حتى داخله حينما تكون بالمطبخ لأعداد الطعام، ومحاولة ضبط سلوكهم حتى لا يحدث شجار بينهم، وتلك الحالة ليست سوى واحدة من كُثر ممن هم في وضعيتها سواء كانوا بنات أو أولادا، حيث تبرز تلك المأساة وفق شعورهم الداخلي المُعبر عنه، داخل الأسر الكبيرة التي يزيد فيها عدد الأبناء عن اثنين، وحيث توجد علاقة ارتباط ايجابية بين عدد الأبناء بالأسرة الواحدة وشعور الطفل الأول بما يعتبره مأساة مراعاة أخواته الصغار، حيث يقلل هذا الشعور داخل الأسرة قليلة الأبناء 1- 2 طفل، في حين يتزايد داخل الأسرة كبيرة العدد 3 4 أطفال.
ولا تمثل سلمى حالة فردية، وانما هي بمثابة ظاهرة عامة بين أقرانها داخل الأسر كبيرة العدد، تتزايد حالة عبء الشعور بالمسؤولية في سن مبكرة حال وجود فروق عمرية ملموسة بين الطفل الأول وبقية أخواته الصغار. يقول زياد 17 عامًا أنه بات يكره أنه الولد الأكبر داخل أسرته، فبعد أن كان موضع اهتمام ورعاية الأبوين بقية العائلة، أصبح يشاركه أخواته الصغار، وتدريجيًا تحول الاهتمام والرعاية لصالح الصغار. ولم تكن تلك فقط أزمته الوحيدة، اذ بدأ يشعر بالهم والعبء بسبب طلبات والديه اليومية رعاية أخوانه الصغار وأحيانا المذاكرة لهم. أما في المدرسة فامه تعتبره المسؤول الأول عنهم والاطمئنان على حاجاتهم المدرسية قبل الصعود للباص والعودة للبيت، وفي النادي مطلوب منه أيضًا رعايتهم.
هناك قواسم مشتركة في حكايات هؤلاء تتسم ليس بالشعور بعبء المسؤولية الملاقاة على عاتقهم فحسب، وانما الأهم أيضًا المحاسبة القاسية التي يتعرضون لها حال حدوث أي مشكلة للصغار حتى ولو كان التقصير منهم. فالكثير منهم يكره كونه الطفل الأكبر داخل الأسرة.

تبـريـرات الوالـدين
المشهد يكاد يكون مختلفاً تمامًا من ناحية الوالدين وتحديدًا الأم التي تتحمل دومًا عبء مسؤولية الأطفال في أغلب الأسر. وفقًالتبرير الأمهات والآباء فان تعقيد تربية ورعاية الأسرة بهذا الوقت يتطلب مشاركة الجميع بما فيهم الأبناء في عبء ادارة الحياة اليومية داخل البيت وخارجه، الابن الأكبر هو الوحيد المؤهل لمراعاة اخوانه الصغار ومشاركة والديه في مسؤولية تلك الرعاية.
وثمة اتفاق عام بين هؤلاء الأمهات، أنهن مضطرات للاعتماد على الأبن الأكبر بسبب تعقد وكثرة الأمور الحياتية، وضيق الوقت المتاح أمامهن للاهتمام ورعاية وتلبية طلبات أفراد الأسرة خلال ساعات اليوم. كما أن هناك اتفاقاً مماثلاً على أنهن أقل قدرة على التحمل والصبر، تحديدًا اذا كان عدد الأبناء كبير نسبيًا.
تقول هالة 43 عامًا وتعمل في أحد البنوك الكبرى، أنها أقل قدرة على الاهتمام بشؤون أولادها الثلاثة مقارنة مع والداتها التي كانت ترعى عدداص أكبر من الأولاد، بالرغم من الاختلاف الكبير في تطور وسائل الرفاهية بين اليوم وزمان. وأضافت أن أمهات اليوم يفقدن ليس حكمة الأجداد في حث الأبناء على تحمل المسؤولية فحسب، وانما الأهم أيضًا صبرهن وجلدهن في تربية الأولاد. أما ريهام 47 عامًا التي تركت العمل من أجل التفرغ لرعاية أبنائها الأربعة، فتقول ان الأجداد كن محظوظات بسبب بساطة الحياة في أيامهم، بالتزامن مع تحلي الأبناء بقدر عال من المسؤولية سواء تجاه أنفسهم أو أخواتهم الصغار. أما اليوم فان الأمهات يجدن صعوبة جّمة في الاضطلاع بتلك المسؤولية بالكامل في وقت لا يجدن المساعدة من الابن الأكبر أو حتى امكانية تحمل الأبناء بشكل تام بمسؤولية تسيير شؤون حياتهم اليومية، واتهمت أبناء هذا العصر بالاتكالية على الوالدين في كل شيء بالاضافة لشيوع الأنانية الكبيرة بينهم.

نصـائح الخـبراء والأطـباء
حملنا هذا الصراع الأسري لأهل الاختصاص والمشورة للاهتداء بخبرتهم من أجل مساعدة طرفي الصراع وتحديدًا الوالدين في أجل العيش بطمأنينة والاستمتاع بالحياة، لكون الاحساس بعبء المسؤولية سواء من الابن الأكبر أو الوالدين يسبب دومًا الكثير من المشكلات الأسرية، ويوتر العلاقات الاجتماعية بالبيت.
تقول لمياء محسن خبيرة العلاقات الانسانية، ثمة مجموعة من الارشادات والنصائح التي يجب أن يدركها الوالدان لتحفيز الشعور بالمسؤولية لدى الأبناء الكبار، وجعلها عملية بناءة لمساعدة الكبار بالاهتمام ورعاية الصغار:
أولها: من الواجب من الناحية التربوية والنفسية أن يدرب الوالدان الابن الأكبر على الاحساس بالمسؤولية عن اخوانه الصغار ومساعدتهم بما يناسب مع فروق العمر بينهم، وأن ترتبط تلك المسؤولية ببعض الامتيازات المادية والمعنوية التي يحصل على الأكبر، سواء عبارات الثناء والتشجيع، أو الاستجابة لبعض رغباتها في اقتناء الأشياء. بحيث لا تكون المسؤولية دون مقابل.
ثانيها: أن يتمتع الأكبر باحترام الصغير له وبتقدير الوالدين له باعطائه صلاحيات تفوق الصغير، بحيث يكون مُعلم ومُدرب أولى لهم في شؤون الحياة والدراسة، ما يقوي من علاقات الارتباط العضوي بين الأبناء
ثالثها: جعل كلمة «أنت الكبير» تقال للطفل الأول بهدف شحذ همته وتشجعيه وتحفيزه على الاضطلاع بمسؤولياته داخل الأسرة، الا أن استخدامها سواء بشكل متكرر وبطريقة سلبية يؤدي دومًا إلى نتائج عكسية، اذ ترتبط في ذهن الطفل الأكبر بأعباء تدفعهم لكره سماعها. فالوالدان لا يلجآن عادة إلى استخدام هذا المفهوم الا في الأمور السلبية التي تتطلب من الأخ الأكبر التنازل عن حقه أو التضحية من أجل الصغير أو حمايته، أو قضاء وقت كبير معه من أجل المذاكرة أو الاهتمام بشؤونه، ويتناسونها دومًا في الأمور الايجابية التي تجعله يفخر بمكانته كأخ أكبر،والاستخدام الصحيح لهذا المفهوم يعود بالنفع عليه وعلى الأصغر وعلى الأسرة بالكامل. ولذا تطالب لمياء محسن الأم تحديدًا بمراعاة:
1ــ ألا ينسى الوالدان دومًا أن الطفل الأكبر بالنسبة لأخواتهم الصغار، بمثابة طفل صغير أيضًا، في حاجة للرعاية وأن يتمتع بنفس مساحة الخطأ والصواب التي تناسب عمره، بحيث لا يحمله الوالدين مسؤوليات فوق طاقته لمجر أنه الكبير.
2ــ الا يجعل الوالدان مفهوم «أنت الكبير» عبئًا على الطفل حيث لا يتعاملان مع هذا الطفل الا اثناء مطالبته بتقديم تنازلات من وقته أو مساحة حريته لارضاء ورعاية الصغير، ولذا يجب على الأم أن تذكره حين تطلب منه أداء بعض الواجبات أو الثناء عليه وتقديم المزايا المادية والمعنوية له أيضًا، كأن يقال للصغار احترموا أخيكم الكبير واسمعوا كلامه، وتقديم له الهدايا حال نجاح الصغار بوصفه مشارك في هذا النجاح، الأمر الذي يجعله كبير في نظر هؤلاء الصغار.
رابعها: أن تبتعد الأم قدر المستطاع عن ربط «أنت الكبير» بالأوامر والطلبات المشمولة بالعقاب، انما تطلب منه مساعدتها في شكل اقتراحات، فيما يخص مشكلات الصغار سواء داخل البيت وخارجه، بشكل يشاركه بكونه كبير فعلاً وصاحب رأي مسموع بقبل على المسؤولية بصدر رحب وحب، بل وتعمل من حين آخر على أخذ نصيحته في كيفية التغلب عن مشكلات الأخوة الصغار بوصفه مر بتلك المرحلة من قبل.
خامسها: أن تحاول الأم في البداية اختيار الأوقات التي تطلب منه مساعدتها في رعاية الأخوة الصغار، بحيث ترك له مساحة من الخصوصية التي يحتاجها بهذه السن سواء المراهقة أو الشباب، بشكل يشعره أن الأبوين يدركان احتياجاته المادية والمعنوية بهذه السن.

ظاهرتان
تقول الدكتورة وفاء مسعود استشاري العلاج النفسي بجامعة عين شمس، ان هناك ظاهرتين تعكسان الجوانب السلبية بهذا السياق:
تكمن أثار الأولى بشكل آني، في دفع الأولاد للتمرد على أوامر الأم والتي تأخذ شكل العناد في تنفيذ تلك الأوامر أو مشاكسة الأخوة الصغار ودفعهم لرفض وجود الأخ الأكبر بينهم لمساعدتهم أيًا كانت تلك المساعدة صغيرة أو كبيرة، ما يضاعف من أعباء الأم. أما أثار الظاهرة الثانية فهي مستقبلية، وتكمن في مشكلة تسلط الأخ الأكبر على أخواته الصغار وتحديدًا البنات اللواتي يكن دومًا الضحية لهذا التسلط، ويظهر هذا التسلط عبر الأوامر والطلبات التي تصل لحد التدخل في شؤونهم الشخصية ويمليها الأخ الأكبر على بقية اخوانه. والتي تصل في بعض الأحيان للتعدي عليهم وتسخيرهم لخدمة رغباته.
لذا تطالب مسعود الوالدين بأن يكونا على وعي كاف حال تحميل الأبن الأكبر ومشاركتهما مسؤولية رعاية الأطفال، وان يراقبا بشكل جاد طريقة تعامل الأخ الأكبر مع أخواته الصغار والتدخل عند تجاوز هذا التعامل حدود المعقول.