أنقذوا الكويت من طاعون أعداء الفرح

0 283

أحمد عبد العزيز الجارالله

لأن الكويت لم تعد بلد الفرح، وصانعة الثقافة والترفيه البريء، ولأنها سقطت في فخ التشدد الذي فرضته عليها تيارات متزمتة تسعى دائما وأبدا إلى التضييق على الناس، وتعمل على تجهيلهم، لا يكون مستغربا أن يغادرها في إجازة لا تتعدى الأسبوع نصف مليون نسمة إلى الخارج، إلى حيث يجدون ما حرموا منه في بلادهم.
في إجازة لمناسبتين وطنيتين وحيث يفترض أن يحتفل بهما الجميع في بلدهم، يغادر المواطنون إلى الخارج بعدما تحركت قوى الضغط الاجتماعي الظلامية لمنع الاحتفالات بالعيد الوطني، وبعده يوم التحرير، في سوق المباركية التراثي حيث يمكن الاطلاع على تاريخ الشعب والأرض، لكن مرت هذه المناسبة فيما هو خال بسبب ذلك المنع، لأن متزمتاً كارهاً للفرح يرى في ذلك ظاهرة سلبية، دخيلة على المجتمع.
نقولها صراحة وبحق إن تلك الاحتفالات من عادات الكويتيين المتأصلة، الذين تحدوا أهوال الغوص قديما بالفرح بعودة البحارة، وأقاموا الاحتفالات في كل المناسبات، ورقصوا وغنوا الاهازيج، ولم يخرجوا على دينهم، أو يتهموا بالكفر والالحاد، والزندقة، لكنها سطوة التيارات السياسية المتدثرة بالدين من أجل تحقيق مآربها التي تكشفت في “الاخوان” و”القاعدة” و”طالبان” و”داعش”، طلاب قطع الرؤوس، والحجر على أفكار الناس وسلوكهم.
ولأن الصورة على هذا النحو، بات علينا الاعتراف أن ثمة انفصاما في الشخصية الكويتية، فمن جهة نريد جعل البلاد مركزا تجاريا وماليا عالميا، ومحطة سياحية من الطراز الاول، على غرار بعض الدول المجاورة، وفي الوقت نفسه، نشكل لجانا نيابية لما يسمى “الظواهر السلبية”، ولا نعلم ما هي تلك الظواهر السلبية، ونمنع الحفلات، واللهو، كما نمنع عشرات الجنسيات من الدخول بقصد السياحة، فتبقى فنادقنا خاوية على عروشها طوال السنة، لا تصل نسبة إشغالها، في أحسن الأحوال، إلى 30 في المئة، وسنويا تقفل عشرات المحال والمطاعم، ولا يجد الشباب متنفسا، لذا يهربون إلى الخارج عند أول فرصة، حتى في الإجازات الأسبوعية حيث يزدحم المطار بالمغادرين عشية كل خميس، ويزدحم بالقادمين مساء كل سبت.
كيف ستصبح الكويت وجهة سياحية، او مركزاً ماليا وتجاريا، وهي على هذه الحال تستبد بها قوانين متشددة قائمة على الشك والمحاسبة على النوايا، بل كيف يمكن لمستثمر أن يأمن على ماله في بلد يعيش هذا الانعزال؟
ها هي دول “مجلس التعاون” الخليجي تنفتح على العالم، حتى المملكة العربية السعودية التي لها خصوصيتها الدينية، بدأت تفتح أبوابها للسياحة الداخلية، وتخفف كثيرا من أنظمتها، فانخفضت نسبة المغادرين لقضاء إجازاتهم في الخارج في العامين الماضيين إلى النصف، كذلك الأمر في الإمارات والبحرين وسلطنة عمان وقطر، بينما الكويت تسير عكس حركة الزمن، بمعنى ان العالم يتقدم ونحن نسير الى الخلف، وكأننا نسعى من حيث ندري أو لا ندري إلى تحويلها مجتمعاً “داعشيا” بعدما كان أهلها أصحاب رسالة تنوير عربية، في المسرح والغناء والثقافة، قبل أن يضعها المتشددون في قمقم القمع، ويهربون بها من الخمور ليجعلوا شبابها فريسة لوحش المخدرات من دون وضع حل لهذه المشكلة التي تسببوا فيها، فكانت النتيجة ان أصبحت في المرتبة الأولى، خليجيا وربما عربيا، بهذه الآفة، فهل هذا التشدد القانوني هدفه دفع الشباب إلى هذا المنزلق التدميري؟
رحمة بالكويت، ومجتمعها واقتصادها، وانسجاما مع الشعارات والبرامج الموضوعة للتطوير، عدلوا تلك القوانين البالية، التي للأسف ساهمت بها الحكومات المتعاقبة طلبا للسلامة من الاستجوابات، فرضخت حيث يجب أن تقاوم، وتدافع عن الكويت وتراثها، وقاومت حيث يجب أن تلبي حاجات الناس والعصر، حتى وصلنا إلى هذه الحال، التي تخلو فيها البلاد، مع كل إجازة، من الناس، وكأنهم يفرُّون هرباً من طاعون ما!

You might also like