أوقفوا التكسب بمعاناة المواطنين… جدولوا القروض أو أسقطوها

0 101

باتت مسألة القروض هاجسا يوميا لعشرات الآلاف من المواطنين، فيما هناك من يتكسب منها انتخابيا من دون أن يقدم حلولا واقعية، وسط تجاهل حكومي يشي بمراعاة مصالح مجموعة منتفعين من الدائنين الذين يتحكمون بمصير شريحة لا بأس بها من الكويتيين.
القضية تهم غالبية المواطنين، مباشرة أو غير مباشرة، خصوصا أن هناك نحو 80 ألف مواطن رفعت عليهم دعاوى مدنية تحت هذا العنوان، ولهذا لا بد أن يكون الحديث صريحا إلى أبعد الحدود، ومن دون أي اعتبارات لأن المكاشفة تؤدي إلى حل يرضي الجميع.
إذا كانت حجة البعض أن لا عدالة في إسقاط القروض لأن ليس كل الكويتيين يكتوون بنارها، فإن الواقعية تعني إعانة المعسر على التخلص من العبء الواقع عليه كي يكون متساويا مع المواطن الآخر، ووفقا لما هو سائد في دول العالم كافة، تعوض الدولة في الكوارث الطبيعية المتضررين، فيما من لم يتضرر لا ينال أي مساعدة، وفي حالة كثرة القروض على المواطنين يمكن التعاطي مع هذه المسألة استنادا الى قاعدة تعويض المتضرر- كما حدث تماماً مع المدينين بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي – ونص المادة 25 من الدستور واضح لا لبس فيه” تكفل الدولة تضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامة”، وتعتبر هذه القضية من المحن العامة.
ثمة من يقول إن هؤلاء يتحملون مسؤولية ما أقدموا عليه رغم معرفتهم المسبقة أنهم غير قادرين على سداد ما اقترضوا، هذا في جانب منه صحيح، انما الجانب الذي لا يتناوله أصحاب هذا الرأي أن المغريات التي يوفرها المدينون، سواء أكانوا مصارف أو مؤسسات استثمار، إضافة إلى غلاء المعيشة مما يدفع بالناس إلى الاقتراض.
ففي كل دول العالم هناك إجراءات واقعية تتخذها المؤسسات الرسمية، أولها الحجز على ممتلكات المعسرين، وليس منع المواطنين من السفر أو وقف تجديد إقامات عمالهم وخدمهم، أو سياراتهم، ما يعني حرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية، وهذا مناف للدستور والمنطق والعقل، فالمواطن، مهما كانت درجة إعساره لن يترك بلاده ويغادر نهائيا، كما أن على المدين أن يتحمل مسؤولية أفعاله، إذ كيف يقترض من يدرك مسبقا أنه لن يستطيع سداد القرض، إلا إذا كان يبيت النية السيئة.
ربما يتفهم الجميع اتخاذ هذه الاجراءات ضد مقيم موقت في البلاد، يمكن أن يغادرها نهائيا فتضيع المديونية، غير أن ذلك لا ينسحب على المواطن الذي لا وطن له غير الكويت.
المؤسف أن يمنع مواطن من السفر أو تخليص معاملاته مقابل التقصير في سداد فاتورة هاتف، أو قسط سيارة، أو دينارين، كما حدث مع كويتيين كثر، بل إن ذلك لا يحصل حتى في الدول المتخلفة، التي بدأت تتخذ إجراءات لمعالجة هذه القضية أكثر مرونة مما هو معمول به في الكويت.
في كل دول العالم، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، أقرت الحكومات محفزات اقتصادية ومالية إثر الأزمة المالية التي ضربت العالم في عام 2008، إلا في الكويت فقد ظهر من يتشدق بحجج واهية لمنع أي إجراءات، فيما لو كانت هذه القضية تمسه لرأيناه يسعى ليل نهار، للاستفادة من تلك المحفزات، بل لو أن هذه القروض كانت على كبار المتمولين لسارعوا إلى النواب يتوسطونهم لإقرار قانون يحميهم، لكن طالما أن المسألة تخص الناس العاديين، ممن ليس لديهم أي تأثير، يخرج علينا المتفوهون بنظريات كثيرة لمنع الحكومة من اتخاذ أي اجراء منصف.
رغم كل هذا هناك حلول عدة، أولها أن في قانون الإقراض الكويتي، تؤمن البنوك على القروض، ولدى البنك المركزي وسائل عدة لحمايتها، إضافة إلى الفوائد الكبيرة التي تجنيها البنوك، ومن الممكن أن تقر الحكومة قانونا بمساعدة مجلس الأمة، يلزم البنوك إسقاط الفوائد، أو تتكفل بها الدولة، على أن يعيد المواطن سدادها على ثلاثين أو عشرين سنة، ولن تخسر البنوك ولا الدولة أي مبالغ من المال.
من الحلول الأخرى أيضا، إذا كان القرض مثلا 30 ألف دينار، ومنها عشرة آلاف فوائد، تلزم الحكومة البنوك إسقاط تلك الفوائد وتعيد جدولة القرض على 20 سنة، او تتفق مع البنوك على أن تضمن هي القروض وتسددها للبنوك خلال 20 او 30 سنة، وإذا أصرت الحكومة على رفض كل الحلول المقترحة، عليها أن تعيد النظر بالاجراءات القضائية، عبر تعديل القانون لإلغاء الإجراءات التي تحد من حرية حركة المواطن.
في هذه القضية هناك نوع من الابتزاز الممارس بكل وقاحة، إذ عندما تسأل الدائن ماذا يستفيد من إلقاء المدين في السجن يقول: “خله بالسجن حتى يتحاطط أهله وربعه المبلغ ويدفعونه لي”، بمعنى ابتزاز الأقارب والأهل من أجل استرداد مبلغ يمكن تسديده على أقساط، غير أن الجشع لدى المرابين يعمي بصيرتهم، وللاسف أن مؤسسات وزارة الداخلية تحولت محصلا للشركات والمرابين، فهي تلاحق المعسرين، وتلقي القبض عليهم، ما يؤدي لاحقا إلى مشكلات اجتماعية وأسرية عويصة، ما يعني غياب الرحمة، وهذا يخالف المبدأ الدستوري الوارد في نص المادة 25 المشار إليه سابقا.
هذه الاقتراحات والحقيقة الكاملة نضعها بين يدي ولي الامر، الذي نعرف جميعنا أن لديه الرغبة والمقدرة على حسم القضية، كما نضعها أمام مجلس الأمة الذي من واجبه الانحياز للمواطنين كافة، من دون أن يتعلل بحجج لا تخدم إلا قلة من المستفيدين من بقاء هذه المأساة تنشر أورامها الخبيثة في المجتمع، فيما هناك من يعتاش انتخابيا على آلام المواطنين.

أحمد الجارالله

You might also like