أولئك قوم شيَّد الله فخرهم فما فوقهم فخر وإن عظم الفخر

0

مشعل عثمان السعيد

هذا بيت ضمن أبيات مدح، قالها حكيم العرب وحكمها عامر بن الظرب العدواني الحنيفي الموحد، سيد من كبار سادات العرب، وهو كذلك من أخطب أهل زمانه، ولد قبل حادثة الفيل بمئتي سنة، وكان هذا الرجل هو الإمام والحكم في سوق عكاظ، لايعدل بفهمه فهم، ولا بحكمه حكم. ذكره السجستاني في المعمرين العرب، وعده ابن حبيب قائداً جراراً يرأس ما يزيد على ألف فارس، قاد معد كلها يوم البيداء فكان واحداً من ثلاثة اجتمعت عليهم معد، في الجاهلية وهم: عامر هذا، وربيعة بن الحارث يوم السلان وكليب بن ربيعة يوم خزاز، أما نسب هذا الشاعر فهو عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، وقبيلته عدوان من أعز وأمنع العرب وأكثرهم عددا وعدة، وأشدها سطوة إلا أنهم تباغضوا فاقتتلوا فيما بينهم فتفانوا حتى قل عددهم، وكانوا قد عدوا أبناءهم غير المختونين فتجاوز عددهم السبعين ألفا، هذا غير الرجال أيام عزهم، وقد ذكر ما حل بهم أحد كبارهم وهو ذو الأصبع العدواني فقال:
عذير الحي من عدوان
كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضا
فلم يبقوا على بعض
وفيهم كانت السادات
والموفون بالقرض
ومنهم حكم يقضي
فلا ينقض ما يقضي
ويقصد في بيته الأخير شاعرنا عامر بن الظرب، وكان والده الظرب بن عمرو قارئاً كاتبا رغم ندرة الكتاب في ذلك الزمان، فتعلم عامر الكتابة والأنساب، وتعاليم ملة إبراهيم عليه السلام، وأبوه الظرب أيضاً من كبار الحنفاء في الحجاز، وأول من سن قانون (الخلع) الدارج هذه الأيام عامر بن الظرب هذا، شريطة أن ترد الزوجة صداق الزوج، وقد وافق حكمه هذا الإسلام، وسن أيضا ختان الذكر والأنثى، وذاع صيته في جزيرة العرب حتى أن بعض اليهود والنصارى كانوا يحتكمون إليه، وقد حرم أيضا زواج الرجل من زوجة أبيه، وحرم لحم الميتة والزنا وشرب الخمر، عرف أيضا بطلاقة لسانه وخطبه البليغة ووصاياه الحكيمة، ومن أقواله السائرة: القضاء حكمة وعدل واستقامة لأمر الناس، دعوا الرأي يغب حتى يختمر، واياكم والرأي الفطير الرأي نائم والهوى يقظان، ولذلك يغلب الرأي الهوى.
وعامر بن الظرب هو القائل:
أولَئِكَ قَومٌ شَيَّدَ اللَهُ فَخرَهُم
فَما فَوقَهُم فَخرٌ وَإِن عَظُمَ الفَخرُ
أُناسٌ إِذا ما الدَهرُ أَظلَمَ وَجهُهُ
فَأَيديهُمُ بيضٌ وَأَوجُهُهم زُهرُ
يَصونونَ أَحساباً وَمَجداً مُؤثَّلاً
بِبَذلِ أَكفٍّ دونَها المُزنُ وَالبَحرُ
سَمَوا في المَعالي رُتبَةً فَوقَ رُتبَةٍ
أَحَلُّتهُمُ حَيثُ النَعائِمُ وَالنَسرُ
فَلَو لامَسَ الصَخرَ الأَصَمَّ أَكُفُّهُم
لَفاضَ يَنابيعَ النَدى ذَلِكَ الصَخرُ
شَكَرتُ لَهُم آلاءَهُم وَبلاءَهُم
وَما ضاعَ مَعروفٌ يُكافِئُهُ شُكرُ
وَلَو كانَ في الأَرضِ البَسيطَةِ مِنهُم
لِمُعتَبَطٍ عافٍ لَما عُرِفَ الفَقرُ.
وكان عامر بن الظرب يقول: لم اكن حكيما حتى صاحبت الحكماء ولم اكن سيدهم حتى تعبدت لهم.
عمر هذا الرجل ثلاثمائة سنة، ولما كبر وتقدم به السن، قال لابنته.
تَقولُ اِبنَتي لَمّا رَأَتني كَأَنَّني
سَليمُ أَفاعٍ لَيلُهُ غَيرُ مودَعِ
وما الموت افناني وَلَكِن تَتابَعَت
عَلَيَّ سِنونٌ مِن مَصيفٍ وَمَربَعِ
ثَلاثُ مِئينَ قَد مَرَرنَ كَوامِلاً
وَها أَنا هَذا أَرتَجي مَرَّ أَربَعِ
فَأَصبَحتُ مِثلَ النَسرِ طارَت فِراخُهُ
إِذا رامَ تَطياراً يُقالُ لَهُ قَعِ
أُخَبِّرُ أَخبارَ القُرونِ الَّتي مَضَت
وَلا بُدَّ يَوماً أَن يُطارَ بِمَصرَعي.
جدير بالذكر ان اول من قرعت له العصا عامر بن الظرب هذا وفي ذلك يقول المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
وما علم الانسان الا ليعلما
وفيه يقول الحارث بن وعلة الجرمي ايضا:
وزعمتم ان لا حلوم لنا
ان العصا قرعت لذي الحلم
والقصة انه لما طعن عامر بالسن واعتراه السهو والنسيان، امر بنته ان تقرع بالعصا ان حاد عن الحكم وجار عن القصد، وقد قال في الخمر وبين اضرارها ومن ذلك قوله:
سألت للفتى ما ليس في يده… ذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله اسقيها واشربها.. وحتى يفرق ترب القبر أوصالي
يروى انه زوَّج ابنته من ابن اخيه واوصاها بما ينفعها ومما قاله لها: لا تنزلي مفازة الا ومعك ماء، فانه للاعلى جلاء وللاسفل نقاء، فلما كان بعد اشهر اتته مضروبة فقال لابن اخيه: يا بني، ارفع عصاك عن بكرتك تسكن، فان كانت نفرت من غير ان تنفر فهو الداء الذي لا دواء له، وان لم يكن وماق فتعجيل الفراق، والخلع احسن من الطلاق، ولن نسلبك اهلك ومالك.
ومن جوانب حكمه قوله: رب زارع لنفسه حاصد لغيره، ولابد هنا ان نشير لاشهر موحدي العرب مثل عامر بن الظرب، فمنهم القس بن ساعدة وهو اول من قال: اما بعد، واول من خطب متكئا على عصا، واول من كتب: من فلان الى فلان، واول من قال: البينة على من ادعى، واليمين على من انكر، ومن الموحدين ايضا: ورقة بن نوفل بن اسد القرشي ابن عم ام المؤمنين خديجة بنت خويلد بن اسد رضي الله عنها، وزيد بن عمرو بن زيد بن نفيل القرشي، والد احد العشرة المبشرين بالجنة وهو سعيد بن زيد بن عمرو.
اكتفي بهذا القدر
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

10 + 19 =