أيها الإسرائيليون والفلسطينيون انتفضوا للمطالبة بالسلام

0

خلف الحبتور

الفريقان في هذا النزاع المتواصل خذلهما القادة والوسطاء الغربيون. قممٌ، ومؤتمرات، واتفاقات، وخريطة طريق لم تصل إلى أي مكان، كلها مضيعة للوقت وهدرٌ للجهود. المحاولات التي بُذِلت سابقاً للتوصّل إلى حلول بوساطة من الرئيسين الأميركيين السابقين جيمي كارتر وبيل كلينتون، كانت صادقة وحقيقية، لكنها اصطدمت بعقبات وعراقيل. والمحاولات التي أعقبتها باءت بالفشل حيث كانت حبرا على ورق لتغطية الإحراج والفشل، وإما فاترة ومترددة لإثبات حضورها.
اليوم، ليس هناك ما هو مطروح على الطاولة، لا بل أكثر من ذلك، لا طاولة من الأصل. عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أنه لن تبصر دولةٌ فلسطينية النور في عهده – وقد سحب لاحقاً هذا التصريح لحساباتٍ دولية – كان يقصد كل كلمة تفوّه بها. فقبل أيام قليلة من تصريحه هذا، كان قد وافق على بناء ألفَي منزل استيطاني إضافي في الضفة الغربية.
وبصراحة شديدة، بدأت أشعر بأن خطة السلام التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب هي من نسج خياله.
يمكننا أن نستغرق طويلاً في إلقاء اللوم وتحميل المسؤوليات، لكن كفانا اجتراراً لأخطاء الماضي في الحكم على الأمور. حان الوقت لنفتح صفحة جديدة نطوي معها صفحات كتاب الفظائع الذي يتوالى فصولاً. حتما سنستمر في تكرار أخطاء لا تنفك تُرتكَب منذ أكثر من خمسين عاماً؟
لم يتمكّن الرؤساء ورؤساء الوزراء والمبعوثون إلى الشرق الأوسط والأمناء العامون في الأمم المتحدة من تحقيق أي شيء على الإطلاق، حتى لو كانوا يتمتّعون بحسن النية. العلاقات بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية في الحضيض. وتتطاير القذائف والصواريخ فوق غزة في الاتجاهَين.
أنا على قناعة بأن السلام لن يتحقق من أعلى الهرم إلى أسفله، بل يتطلب تحركات على مستوى القاعدة الشعبية، على طريقة منظمة “السلام الآن” التي أنشأها جنود احتياط إسرائيليون العام 1978 للمطالبة بتطبيق حل الدولتَين. هذه المنظمة التي كانت تتمتع بالشعبية في السابق ويناصرها عدد كبير من الإسرائيليين، باتت الآن على الهامش، ويتعرّض نشطاؤها لتهديدات بالقتل.
لقد تبدّلت الأجواء ولم تعد كما كانت في الفترة التي عرفت فيها حركة “السلام الآن” ذروتها، ففي الوقت الحالي يطغى الخوف والكراهية والتعطّش للثأر. يجب التخلّص من تلك المشاعر المدمِّرة. ويجب إعادة بناء الثقة بين الشعبَين بخطى ثابتة، وينبغي أن يتعلم كلٌّ منهما أن ينظر إلى الآخر كزميل له في الإنسانية تُراوده الآمال والأحلام نفسها. والفلسفة التي تقوم عليها حركة “السلام الآن” يجب إنعاشها من جديد، ليس في قلوب الإسرائيليين وعقولهم وحسب، إنما أيضاً في قلوب الفلسطينيين وعقولهم.
يجب أن يطوي الإسرائيليون والفلسطينيون صفحة الماضي، مهما كان أليماً ودموياً، فإن لم يفعلوا يَقضوا على أي آمال ببناء مستقبل مشرق. الأمس هو مجرد مادّة لكتب التاريخ. المسار الوحيد الذي يمكن أن تكون له قيمة حقيقية هو ذاك الذي يسير بنا نحو الأمام، بعيداً من الظلال المظلمة، ويقودنا نحو النور والضوء.
لا يُخفى على أحد ما يكسبه الفلسطينيون من التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع. لقد خُنِق بصيص الأمل الصغير الذي كان يمدّهم بالشجاعة من أجل الصمود والمضي قدماً، وحلّ مكانه اليأس، والدليل على ذلك الاحتجاجات الحاشدة الأخيرة في غزة التي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى وإصابة الآلاف بجروح.
شجاعتهم لا غبار عليها، لكن جل ما تفعله هذه التظاهرات هو أنها تضع محنتهم في صدارة الاهتمامات الدولية لفترة وجيزة، وما عدا ذلك ليست سوى تحرّكات عقيمة لا طائل منها، وتترتّب عنها كلفة باهظة جداً على المشاركين فيها.
نعم، إنها وصمةٌ جديدة تُضاف إلى رصيد إسرائيل في الهمجية. غضبٌ عارم يعمّ الدول الأوروبية وحتى شرائح من الجالية اليهودية في الولايات المتحدة. وبدأت بلدان كثيرة تعتبر إسرائيل دولة منبوذة. لكن ما دام البيت الأبيض يحتضنها تحت مظلته، فهي لن تخضع أبداً للمحاسبة.
لا جدوى من مناشدة نتانياهو أو ترامب التوصّل إلى حلول بنيّة طيّبة. فهما لا يفهمان سوى لغة القوة. أوجّه ندائي إلى الشعب الإسرائيلي الذي اعتاد الوضع القائم إلى درجة أنه قد لا يكون مدركاً أن المصالحة مع دول عربية تنعم بالاستقرار والازدهار، شرط حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة، سوف تؤمّن له منافع جمّة، منها:
•تدفُّق الاستثمارات من دول مجلس التعاون الخليجي وسواها من البلدان العربية بما يساهم في تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي، عن طريق ظهور فرص جديدة في الأعمال، وتحسّن البنى التحتية، وتوفير فرص إضافية وتحقيق مزيد من الازدهار.
•إفساح المجال أمام الإسرائيليين للسفر إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط حيث سيحظون بالترحيب ويتمكّنون من القيام بجولات سياحية.
•تراجُ العداء للسامية الذي يتسبّب الاحتلال، من جملة أمور أخرى، باستفحاله.
•احتمال وقف العمل بالتجنيد الإلزامي للشباب الإسرائيليين وبالخدمة الإلزامية في الاحتياطي حتى سن الـ40.
•تبادُل المواهب والتكنولوجيات.
•تفاعلات ثقافية واجتماعية متبادَلة.
•إنهاء العدوان والضغينة.
•تعاون أمني واستخباري في مواجهة العدوانية الإيرانية.
أناشد الإسرائيليين أن يتخلّوا عن أحكامهم المسبقة التي لطالما تمسّكوا بها، ويغوصوا عميقاً لمعرفة ما الذي يخدم مصالحهم. والكلام نفسه أقوله للعرب.
فكّروا في أولادكم وأحفادكم. لا تلقّنوهم مخاوفكم وأحقادكم. لا تلوّثوا عقول أجيال المستقبل وتنغّصوا عليهم حياتهم. يستحق الشباب أن ينعموا براحة البال لا أن يُجبَروا على ارتداء البذلة العسكرية وحمل السلاح. اسمحوا لهم أن يكوّنوا آراءهم الخاصة. امنحوهم فرصة للمضي قدماً، يداً بيد، متحرّرين من ثقل انفعالاتكم وأعبائكم العاطفية وتجاربكم السيئة. تغيير السلوكيات شرط مسبق كي يتمكّن الإسرائيليون والعرب من العيش معاً باحترام متبادل على الأرض نفسها.
شئتم أم أبيتم، الدولة الإسرائيلية معترَف بها من الأمم المتحدة ومن دول العالم في شكل عام. تُخرِّج إسرائيل طلاباً جامعيين من الطراز الرفيع، وتفتخر باختراعاتها الرائدة وبحوثها المتطوّرة. من الأجدى التعامل معها بدلاً من تمنّي زوالها لأنه لا فائدة من ذلك. لن تختفي إسرائيل، مع أسلحتها النووية وجبروتها العسكري.
لقد واظبتُ، في الجزء الأكبر من حياتي، على الدعوة إلى تطبيق حل الدولتين، ونظّمت مؤتمرات وحملات لجمع التبرعات لأجل هذه الغاية، لكنني شخصٌ واقعي. فحظوظ التوصل إلى هذا الحل باتت معدومة، إلا إذا أردنا إنشاء جيب آخر مثل قطاع غزة، أي كيان منزوع السلاح لا يملك أي سيطرة على حدوده. ولذلك، لا يسعني سوى الاستنتاج بأنه على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يعيشوا جنباً إلى جنب في دولة واحدة كمواطنين متساوين في الحقوق.
رفعنا جميعنا الصلوات من أجل أن تتحرّر فلسطين وتصبح للفلسطينيين دولتهم الخاصة، لكن هل يمكن تحقيق ذلك الآن أم أن الفكرة باتت مجرد تفكير بالتمنّي في عقولنا المتشبِّثة برومنسيتها؟ التفكير بالتمني لن يُتيح للفلسطينيين العيش بكرامة وأمان من دون خوف.
فلنحوِّل تفكيرنا نحو العمل من أجل التوصل إلى حل منطقي يضمن مستقبلاً أفضل لدولنا، وللشباب العربي والإسرائيلي لا سيما الشباب الفلسطيني الذي أبصر النور في خضم النزاع ويستحق الفرص نفسها التي يحصل عليها أترابه في كل مكان.
ينبغي على الإسرائيليين والفلسطينيين أن ينتفضوا ضد قواعد اللعبة القديمة والعقيمة التي يلجأ إليها قادتهم وتُبقي كل فريق في مواجهة مع الآخر. دمِّروا تلك الجدران الوهمية والمادّية. يمكن أن تساهم سلطة الشعب في تغيير قواعد اللعبة. لقد خذلكم الرجال الذين يرتدون البذلات والمصممون على ترسيخ سلطتهم. السلام المنطلِق من الشعب الذي من شأنه أن يحقّق المكسب (أو يتحمّل الخسارة) الأكبر، يملك مقوّمات النجاح حيث فشلت كل المحاولات الأخرى.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

إحدى عشر − ستة =