أيها السوريون وفروا دمكم … وتحاوروا

بعد ست سنوات على الحرب الأهلية في سورية تكشفت الصورة عن هزيمة الجميع، النظام والثورة معا، فطالما الشعب يدفع هذا الثمن المأسوي، وتستباح الحدود والأرض من قوى إقليمية ودولية طامعة بموطئ قدم فيها، فإن الاستمرار برفض الحوار والحل السياسي سيجدد الكارثة الفلسطينية التي تسبب بها الفلسطينيون أنفسهم حين غرقوا بشبر ماء الشعارات الثورية والرهان على مواقف دول عربية، كمصر عبدالناصر، التي اتخذت من “تحرير فلسطين” مطية لتستمر في تحقق اهداف لا علاقة لها ببلادهم ابدا.
قبل نحو مئة عام لم تكن الدول العربية قادرة على منع بريطانيا من اصدار وعد بلفور بوطن قومي لليهود يحل قضيتهم الاوروبية على حساب الشعب الفلسطيني، لكن بعد 31 عاما منذ ذلك التاريخ، اي في العام 1948 كانت لديها الفرصة ان تمنع اسرائيل من التوسع واحتلال كامل الاراضي الفلسطينية اذا قبلت قرار التقسيم الاممي، خصوصا انها لم تملك القوة العسكرية الكافية لمنع قيام الدولة اليهودية وقتذاك.
لكن على العكس ففيما كانت الدول العربية تقول للفلسطينيين اقبلوا بالمخيمات لان العودة ستكون بعد اسابيع واشهر، رأينا هذه الوعود تتبخر يوما بعد يوم ليصبح ما كان مرفوضا قبل 69 عاما، مطلبا فلسطينيا وعربيا بينما اسرائيل اليوم ترفض ذلك، بل لم تعد تقبل حتى بادانة دولية لاستيطان يقوض يوميا حل الدولتين الذي يلهث خلفه العرب.
منذ العام 2011 كان يمكن للسوريين توفير كل هذه الخسائر على شعبهم اذا قبلوا بالحوار ولم تأخذهم حماسة الشعارات باسقاط النظام بعد شهر او اثنين، وكانوا منعوا ارهابيين من 83 دولة من دخول بلادهم، واجهضوا المشروع التوسعي الايراني، ولا ان تصبح هدنة في هذه المدينة او تلك بحاجة الى محادثات روسية- اميركية، والجميع يعرف أن هذه الدول ليست جمعيات خيرية انما بالدم السوري تحقق مصالحها في مكان آخر.
رغم كل هذا لم يفت الوقت بعد، إذ رغم المأساة لم يزل لدى السوريين متسع من الوقت كي لا يجعلوا مخيمات النازحين الموقتة مدنا دائمة للمشردين كما هي حال المخيمات الفلسطينية في بعض الدول العربية، او يمنعوا استمرار جحيم الحرب الاهلية 17 سنة كما كانت الحال في لبنان حيث تمسك كل فصيل بمطالب واهية فانتهت التسوية الى دولة فاشلة يتقاسمها امراء الحرب، ويرتهن قرارها لـ “حزب الله” الارهابي، بل يستطيعون منع تحول بلادهم “صومالا” اخرى نسيها العالم.
بامكان السوريين فطام انفسهم عن رضع الامال الكاذبة من المواقف الدولية والعربية عن اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد التي لم تتحقق، لانها لم تكن واقعية ابدا، بل هم اليوم مطالبون بالحفاظ على وحدة ارضهم التي بدأت قوى اقليمية ودولية تقتطع اجزاء منها، اكانت ايران التي ترسخ احتلالها بالحرس الثوري مباشرة او مداورة عبر اذنابها الميليشياوية، فيما روسيا تتخذ لها مساحة لاقامة قواعد عسكرية، وكذلك الولايات المتحدة الاميركية حجزت موطئ قدم لها عبر قواعد عسكرية، في حين ان تركيا لا تخفي اهدافها التوسعية وسعيها للسيطرة على شريط حدودي يمنع قيام كيان كردي على غرار ما هو حاصل في العراق.
ربما على السوريين الاستفادة من تجربة جارهم الشمالي، اذ حين اعلن مصطفى كمال اتاتورك قيام تركيا العلمانية على انقاض السلطنة العثمانية، وبدل اللغة ومنع الأذان في المساجد، جعلت الاحزاب النضال السلمي الديمقراطي خيارها الاوحد، ورغم الانقلابات العديدة، واعدام المعارضين، وأولهم عدنان مندريس صاحب اول مشروع سياسي لاعادة الهوية الاسلامية للدولة، لم تذهب الاحزاب الى الحرب الاهلية، بل استمرت بالحوار والعمل السلمي حتى جاء الاسلاميون الى الحكم من خلال الانتخابات، وحتى بعدما طرح اردوغان تغيير الدستور، وحملات القمع بعد فشل المحاولة الانقلابية الاخيرة لم تلجأ الى السلاح، انما حافظت على الاستقرار الداخلي حتى اصبح الاقتصاد التركي من العشرين الاوائل في العالم.
الا ترى الفصائل والاحزاب السورية ان في الوقت الذي تسعى فيه الدول الكبرى الى جعل ارضهم محرقة لارهابيين وشذاذ افاق من كل قارات العالم سهلت تلك الدول دخولهم، وحدهم السوريون يشردون من مدنهم وقراهم… من حلب وحمص والرقة وتدمر وضواحي دمشق ودرعا وغيرها، اليسوا وحدهم يدفعون ثمن حروب بالوكالة تساهم فيها فصائل مسلحة محلية وميليشيات طائفية؟
على السوريين بعد هذه التجربة الكارثية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ الانساني الاقتناع ان كل اظافر العالم لن تحك جلدهم، بل ستزيد من جراحهم وتتسبب لهم بجرب الخراب والفشل والتشرد، وحتى لا يصابوا بذلك المرض لا بد لهم من الحوار الداخلي والواقعية والا سيكررون بملء ارادتهم الكارثة الفلسطينية.

أحمد عبد العزيز الجارالله