أيها العصاة… ريحكم ذهبت

منذ بدأت حركة الخريف العربي وثمة عصاة يحاولون النيل من استقرار المملكة العربية السعودية، ويسوقون شتى أصناف الأكاذيب التي يدحضها الواقع يوميا، ورغم ذلك يستمرون في غيهم غير مدركين أن هذه الأرض الطيبة اختارها المولى عز وجل أن تكون بلاد الأمن والسلام.
ما يفعله هؤلاء يستدعي السؤال: ماذ يريد العصاة من المملكة؟ هل يريدونها أن تتحول أرض خراب كما جعلت مغامرات الإرهابيين الصومال وليبيا والعراق وسورية، أم أنهم يريدون أن يحكمها ديكتاتور دموي كجمال عبدالناصر أو ستالين، أم أن يزرعها حاكم على شاكلة صدام حسين بالمقابر الجماعية للمواطنين الأبرياء؟
من المفيد أن يقرأ هؤلاء التاريخ، ويروا كيف أن الدول العربية التي أسقطت فيها الممالك بحجة الديمقراطية وحرية الرأي ونظرية حقوق الشعوب وحماية المال العام، تحولت أرض عذاب لشعوبها، بدءا من مصر التي كانت شوارع عاصمتها القاهرة تغسل بالصابون في العهد الملكي، وتقترض منها بريطانيا العظمى وغيرها، وحين استولى عبدالناصر على الحكم جعل منها سجنا كبيرا، وبدلا من تحقيق ما وعد به شعبه من توزيع للثروة أفقر الغني ولم يغن الفقير، مرورا بالعراق الذي منذ العام 1958 وحتى اليوم يغرق في حمام دم بات يهدد وجوده بالتقسيم، مرورا بليبيا التي تحولت بعد عهد الملك السنوسي شبه مقبرة جماعية، وتحول الليبيون فقراء إلا نسبة قليلة منهم استفادت من حكم العقيد المغامر، أو تونس، وحتى سورية بعد العهد الملكي حيث كانت تنام على انقلاب وتصحو على آخر؟
في القرن السابع عشر عملت مجموعة من المتطرفين الذين تخفوا خلف عباءة الدين على قلب نظام الحكم في بريطانيا بقيادة أوليفر كرومويل حاول فيها إقامة حكم جمهوري، وقد سعى إلى ذلك من خلال حرب أهلية، غير أن البريطانيين وفي أقل من ثلاث سنوات أعادوا الحكم الملكي، وأعدموا قادة تلك الثورة بشنقهم في برج لندن.
يومذاك استغل من أطلقوا على أنفسهم ثوارا أزمة اقتصادية ورفعوا شعارات طبقية مدغدين بها مشاعر البسطاء، فيما كان هدفهم تتويج أنفسهم حكاما على بريطانيا، لكن الشعب أفشل خططهم ودحرهم، وهو الأسلوب نفسه الذي عملت عليه جماعة الإخوان المسلمين وكل الجماعات الإرهابية المولودة من رحمها في العالم العربي، إذ تسعى في البداية إلى تثبيت منتسبيها في مفاصل الدولة، ولا سيما التعليم حيث تربي الأجيال على مناهجها الخاصة، ويتغلغل منتسبوها في المؤسسات الأمنية بحجة مكافحة الإلحاد والتكفير والفساد، ومن ثم يبدأون بتحريض الناس على الحاكم عبر الإيحاء له أنه يخالف الشريعة الإسلامية، وأن الفساد يعم الدولة ولا بد من توزيع الثروة على الشعب، مروجين أن لا حل لذلك إلا بتوليهم الحكم، ومن ثم يعمدون إلى قتل كل من يشكون بعدم ولائه لهم، تماما كما فعل ستالين الذي أعدم في ثلاث سنوات مليون روسي، وأبعد الملايين إلى سيبريا لمجرد الشك في الولاء.
كل هذه الأحداث المروعة والجرائم الفظيعة لم يفعلها الملك عبدالعزيز آل سعود الذي وحد المملكة البالغة مساحتها نحو 2٫2 مليون كيلومتر مربع بعدما كانت دويلات ممزقة وغارقة في الفوضى والحروب، تسودها العصابات التي كانت تسطو على قوافل الحجيج.
لقد استطاع الملك عبدالعزيز إقامة أول وحدة عربية قوية وراسخة، وهو ما دفع بعبد الناصر العدو اللدود للسعودية، للاعتراف بذلك، في موقف نادر بقوله: إن «هذا الملك استطاع إقامة أول وحدة عربية ناجحة».
هذا الرجل البسيط الذي وحد تلك الأقاليم لم يعتمد على رشوة الناس أو البطش وقتل المعارضين، بل أقام دولته على التفاهم بين مكونات المجتمع جاعلا استقرار المملكة هدفه الأول لتكون قادرةعلى مواجهة الزلازل السياسية وأعاصير المؤامرات عليها، وفي الوقت نفسه الإبقاء على حركة التنمية والتطور من دون أي خلل.
منذ العام 1932 أنفقت قيادة المملكة على مشاريع توسعة الحرمين الشريفين ما يزيد عن تريليوني ريال، فيما لديها أعلى نسبة ابتعاث علمي إلى الخارج، أي أنه في الوقت الذي كان الديكتاتوريون الثوار يُغرقون شعوبهم بالفقر والقمع عمل ملوك السعودية على إعلاء شأن شعبها وترسيخ الأمن والاستقرار.
فهل من سيأتي من العصاة الخارجين على كل ناموس ودين سيقدم للسعوديين ما قدمه آل سعود طوال العقود الماضية، أم ستتحول أرض الحرمين الشريفين معسكرات اعتقال، وإعدام على الشبهة، كما جرى في بعض الدول العربية؟
إذا كان هؤلاء لم يتحلوا بشجاعة المواجهة واختبأوا خلف شاشات كمبيوتراتهم وهواتفهم يحرضون الناس عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ثبت أنها تعمل من خارج المملكة وكلها من أجل امتلاك شقة في تركيا أو حساب مصرفي في بنك قطري، أو تلبية لإيعاز إيراني معروف الأهداف، فهل ستكون لديهم ذرة من الوطنية إزاء شعبهم؟
أليس هؤلاء ممن استغلتهم جهات معروفة لتنفيذ المخطط الذي تحدث عنه حمد بن خليفة آل ثاني مع معمر القذافي في العام 2010 عن تفكيك المملكة العربية السعودية؟
قيل قديما: «من كان في نعمة ولم يشكر خرج منها ولم يشعر»، وحتى لا تخرج هذه النعم التي ينعم بها السعوديون وشعوب دول مجلس التعاون لا بد من الشكر والاقتناع بقوله سبحانه وتعالى:»وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ»، إلا إذا كان ما يثير غضب هؤلاء ما تفرضه البروتوكولات من إقامة قادة الدولة في قصور، أو مشابه، وهو ما كان الهدف الأول لكل من انقلبوا على حكامهم، مثل ما فعل ستالين الذي اتخذ من قصور القياصرة سكنا له، معتبرا إياها ملكية خاصة، وكذلك فعل عبدالناصر، والقذافي وصدام حسين الذي كان يشيد القصور في طول العراق وعرضه فيما شعبه يتضور جوعا.
مع الأسف لم يتعلم العرب من التجارب المريرة التي دفعتهم إليها جماعة التفريق والتخريب المسماة «الإخوان المسلمين» ومن يسمون أنفسهم ثواراً فيما هم طامعون بمكاسب ومغانم شخصية يحققونها بالقتل والترويع، وكان ومازال من يقف بالمرصاد لهذه الجماعة مفشلا أعمالها هو الذي يسعى بهذه الأمة إلى الطريق القويم.
ما جرى من دعوات مشبوهة للتخريب في المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى لم يكن مزعجا أبدا لأبناء المنطقة، بل هو امتحان آخر تبين فيه الغي من الحق، وكان مناسبة جديدة للتذكير بشرور هذه الجماعات ومن يدور في فلكها، وزاد من مناعة هذه الشعوب المؤمنة بأن الله «الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ»، هو من سخر لهم من يقيم عدله بقوة الإيمان بالحق، وليس بالديكتاتورية التي أقام عروشها طغاة مثل ستالين وصدام والقذافي وعبدالناصر على جماجم الأبرياء.

أحمد الجارالله