أَنْتَ تُفَكِّرُ نِيَابَةً عَنِّي إذاً أنا مُغَيَّبٌ ومَفْقُود حوارات

0 15

د. خالد عايد الجنفاوي

“وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ” (الجاثية )22.
يجتهد البعض لفرض وصايتهم الفكرية على عقول الآخرين ،وهو أمر أسوأ من محاولة فرض الوصاية الاخلاقية عليهم. وحيث تشير الوصاية على العقل إلى منع الانسان الذي ولد حراً من التفكير بشكل حر ومُستقل ،ودفعه أحياناً إلى الانقياد مُرْغَماً للتفكير وللاستدلال ولاعتناق كل الفرضيات الفكرية التي يفرضها عليه التفكير الجمعي ،أو من يعمل على فرض وصايته الفكرية على الناس الأحرار حتى لو تنافت تلك الفرضيات الفكرية العامة والخاصة مع المنطق والحس السليم. والاشد تدميراً حول محاولة إرغام الانسان على التفكير بشكل يتوافق مع رغبات وأهواء وميول وتفضيلات جلاّده أو جلاديه, يتمثل في حرمانه المُطلق من الكلام والتصرف بشكل طبيعي، فإذا كان من الممكن التخفيف من وطأة الوصاية الاخلاقية على الحياة الخاصة، فإنه سيصعب التخلص بنفس الطريقة من الوصاية العقلية وذلك بسبب تآمر وسيطرة النفر السيء على ما سيجعل المرء إنساناً حراً وهي قدرته على التفكير بشكل حر من دون أن يقع ضحية للتأثير الفكري السلبي لمن لا يحترمون كرامته الانسانية. ومن بعض أعراض مرض فرض الوصاية على عقول الآخرين تشويه سمعة الخصوم الفكريين وتجريد الآخر المختلف عرقياً أو دينياً أو مذهبياً أو فئوياً أو ثقافياً من السمات الانسانية العامة ،وفبركة مقارنات فكرية خزعبلاتية تستند على مغالطات منطقية، وشيطنة كل من سيدعو لتحرير العقول أو لترسيخ الرأي العام المستنير في المجتمع. وبالطبع، من سيحاول فرض وصايته على عقول الآخرين البالغين سيتعامل معهم كأطفال لم يبلغوا سن الرشد .أو كأوراق بيضاء سيكتب فيها الوصي الفكري ما يشاء من أفكار شخصية معوجة وانطباعات مشوهة تتوافق مع رغباته وأهوائه ونوازعه الذاتية النرجسية. وكلما حرص الانسان الحر والمستقل ومن يحترم كرامته الانسانية على تخليص عقله وتنقيته بشكل متواصل من رواسب أفكار وانطباعات الآخرين، سيتمكن من حماية كيانه الفكري والذهني المستقل من التدخلات الحشرية، فإذا كنت “أنا أفكر، إذاً أنا موجود” وإذا لم أفعل ذلك فأنا مُغَيَّبٌ ومَفْقُود.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.