إبداعات عالمية تحتفي بالإسباني خوان خوسيه

0

صدر العدد الجديد من كتاب “ابداعات عالمية “وهي سلسلة ثقافية تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب،يضم مجموعة من القصص للمؤلف الاسباني خوان خوسيه مياس .
في هذه المجموعة “الأشياء تنادينا” تتجلى مهارات ميّاس العبقرية في القدرة على حكاية قصة في عدد قليل من الصفحات، وبسلاسة لا نظير لها، وبلغة سيّالة، فتفتح القصة أفقا يمكن من خلاله مشاهدة أنفسنا، وطرح أسئلة عليها. وكعادة ميّاس في أعمال أخرى، تسيطر أسئلة الموت والوحدة والهوية على كل سردية، وكأن الشخصيات على تنوعها تعاني من نفس الأزمة.
“الأشياء تنادينا” في نهاية المطاف، هي نحن، هي كل واحد فينا، إنها مجموعة قصصية تسائل إنسان اليوم، وتعكس حيرته ووساوسه، وتضعه أمام مرآة، وهي إذ تفعل ذلك تتعمق في ذواتنا بينما تفتح نافذة على معرفة العالم. في كثير من القصص، سيجد القارئ العربي نفسه هناك، فرغم أن الكاتب إسباني ومن ثقافة أخرى، إلا أن أسئلته هي الأسئلة الإنسانية الرحبة، أسئلة قادرة على رؤية بؤس الإنسان وتسعى لفهمه.
ينتمي خوان خوسيه ميّاس إلى جيل 68، الذي يضم أهم كُتّاب الأدب الإسباني حاليا: ميّاس، خابيير مارياس، خوان مارسيه، إنريكي بيلا ماتاس، من بين آخرين. ويرتبط اسم الجيل بالتمرد الطلابي الذي انطلق في فرنسا في مايو 68 واستمر لمدة شهرين، واعتبره المحللون والنقاد أكبر موجة تمرد وإضراب عام في تاريخ فرنسا ،وربما في أوروبا الغربية. رفع التمرد شعارا يساريا في مواجهة “الاستهلاك” وانضمت إليه مجموعات عمالية ونقابات، وكان له تأثيره الكبير في ميلاد حركة الهيب هوب. هذا التحرك على المستوى السياسي والاجتماعي، كان له بالغ الأثر على كُتّاب هذا الجيل، لكن بدرجات مختلفة ومن زوايا مختلفة.
ميّاس، على عكس كُتّاب آخرين كتبوا في نفس التيار، اختار أن ينطلق من الواقع اليومي، من هذه التفاصيل المكررة لحدّ أننا لا ننتبه إليها، فبات كل حدث قابلا للتحول لقصة، وليست قصة اعتيادية، إنما قصة خلّاقة، تحمل الكثير من المعاني خلفها، والمعنى هو ما يطمح إليه الأدب، إذ المعنى هو الجوهر، هو الوصول لمعرفة إنسانية، هو تصور كينونتنا كبشر، هو بلورة لخبرة ما، حتى لو لم يكن المعنى جوابا لسؤال، حتى لو كان محض باب يفتح أسئلة أخرى. هذا أيضا من خصائص ما بعد الحداثة، إذ الإنسان الفرد المهزوم لا يعرف أجوبة. من جانب آخر.
يبدو الانشغال بالوصول إلى معنى واضح في الثيمات التي يختارها ميّاس، وهي ثيمات يضعها في إطار شكل يحمل الكثير من التجديد، فالكاتب الإسباني “مايسترو” في التكنيك، كما يبدو في رواياته “من الظل” و”أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي” و”المرأة المهووسة”، ففي الأول يتناول قصة رجل أربعيني دخل في خزانة ملابس قديمة معروضة للبيع، ليجد نفسه في بيت عائلة، فيظل يراقبها من داخل الخزانة عبر السمع، ومن مكانه يمر بتجربة صوفية ثرية، وفي الثانية يوجه نقدا للمجتمع الإسباني من خلال بطله الذي كان مديرا للموارد البشرية بإحدى الشركات الكبرى الحكومية، فيمر أيضا، عقب طرده من العمل، بتجربة إنسانية مذهلة يقلّب فيها حياته من الطفولة ليكتشف أن ما وصل إليه ما كان ليصل إليه لولا أنه اجتمعت فيه الصفات الموجودة في عنوان العمل ذاته.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثمانية + 6 =