إبراهيم عبد المجيد يكشف أسرار تجربته مع الإبداع

0 55

القاهرة – “السياسة”:

يندر في عالمنا العربي، وفي الثقافة العربية عمومًا، أن نجد كتبًا سيرية، تخص أدباء يسردون حكاياتهم الشخصية، وحواديت الكتابة، ربما يعود السبب إلى قيود وتقاليد تفرضها العائلة ويؤكدها المجتمع الشرقي، تقف في وجه الرغبة في الاعتراف، فالأصل في كتابة السيرة الذاتية تكمن في رغبة جامحة من أجل الاعتراف، وهذه الاعترافات لا تأتي لتعبر عن نفسها فقط، أو عن ذات الكاتب، بل تمتد لتفرض تأثيرها الواسع على أسرته وعائلته والدوائر المقربة منه والمحيطة به، وهذا ما يجلب المشكلات التي لا تنتهي، ومن هنا يؤثر الكاتب السلامة ويكتفي بإبداعه، ليغض الطرف عن رغبة في كتابة سيرته الذاتية التي من الممكن جدا أن تجر عليه الوبال.
ولكن ثمة سيرة أخرى يمكن للكاتب أن يجد فيها متنفسًا، وهي السيرة الكتابية، سيرة الكتابة نفسها، علاقته برواياته أو قصصه، شخصياته، عوالمه التي تشكل في الأخير عالمه الخاص جدا، وبشكل أو بآخر يحمل الأمر بعض الذاتية، التي ترضي بعضًا من غرور الكاتب من ناحية، ولا تعرض لمشكلات ضخمة عائلية وأسرية من ناحية أخرى.
وهذا ما فعله الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد حينما أصدر كتابه “ما وراء الكتابة… تجربتي مع الإبداع” عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، حيث قسم كتابه لأربعة أقسام، يختص القسم الأول برواياته الأولى “المسافات”، “الصياد واليمام”، “ليلة العشق والدم”، “بيت الياسمين”، والقسم الثاني كله عن الإسكندرية وثلاثيتها التي أبدعها عبد المجيد “لا أحد ينام في الإسكندرية”، “طيور العتبر”، “الإسكندرية في غيمة”. أما القسم الثالث فيتعلق بروايات “هنا القاهرة” و”في كل أسبوع يوم جمعة”، “عتبات البهجة”، “وأداجيو”، فيما يشتمل القسم الرابع والأخير على القصص القصيرة لصاحب “أنا والسينما”.
يناقش الكتاب الحالات الروحية التي يمر بها الكاتب من مرحلة تخيل الرواية إلى المجهود العقلي الذي يبذله الكاتب وهو يعيش حالة انفصال عن عالمنا الواقعي ، وهو منهك في حالة النسج الفني، وكيف تنعكس فترة كتابة الرواية على معاني النص وطبيعة اللغة، ما قرأ في تلك الفترة وما عاش من أحداث سياسية أو موجات أدبية، أشياء لا ننتبه إليها عادة ونحن نقرأ نصا روائيا وبهذا نحرم أنفسنا من معرفة أخرى وقصة أخرى، رواية أخرى بداخل الرواية، ذاكرة الرواية بمعنى آخر.
وبحسب إبراهيم عبد المجيد، فإنه يناقش تجربته الروائية، في الكتاب، بعد أن وصل إلى مرحلة الرضا عن ماضيه الأدبي، كما يستعرض ذاكرته الروائية وحديثه عن طريقته في استحضار أزمان مضت كاملة كما هي في روايته، حيث يوثق الزمن والمكان. وأيضا تجربته في الكتابة عن عالم ليس له وجود أصلا افتراضي بطابع واقعي في مضمونه، تجربة اخرى غير الكتابة الوثائقية التي اعتادها، وكيف تترك عملية ابتكار الشخصيات والإبطال على الكاتب نفسه ،كيف يتألم ويدمن هو أيضا مسكنات الم من دون حاجة إليها،ومن أين يستلهم أسماء قصصه ورواياته، وكل كاتب في الحقيقة لديه عالمه المنفصل وطقوسه المقدسة لاستحضار روح الفن.
في الكتاب، يشرح عبد المجيد الدوافع والأسباب التي أدت لكتابة هذه القصة أو تلك الرواية، وكيف يكتبها الكاتب وما هو المجهود العقلي والعملي الذي بذله كاتب ما ليصل في النهاية، مشيرًا إلى أنه قليل جدًا من الكتاب من قدم لنا شيئًا في هذا الموضوع ،ربما لأن ذلك من أسرار الصنعة التي يصعب الكشف عنها لما تحمله من معانٍ صوفية أو سحرية، وربما لأن بعض الكتاب تنقطع صلتهم تماما بأعمالهم بعد الانتهاء من الكتابة، لكن يظل للموضوع “ما وراء الكتابة” قيمته وأهميته.
يقول عبد المجيد في القسم الأول من الكتاب عن رواية “المسافات” : إنها من العلامات الفارقة في حياته الأدبية، إذ كان وقتها بتعبيره “غارقًا لشوشته” في العمل مع إحدى الجمعيات الماركسية المصرية، وفي العام 1977، وهو عام كتابة الرواية، كانت حوادث سياسية عارمة تفور في البلاد، من خلال ما أطلق عليه انتفاضة الخبز، في حين أسماها الرئيس السادات انتفاضة الحرامية، ومن خلال غرقه في قراءات فلسفية وقتها، بدأ في كتابة “المسافات” منتقدًا الحقبة الناصرية على مستويات مختلفة، ومنددًا بسياسات لم يرض عنها على الإطلاق.
من المثير جدا أن تقرأ ما كتبه إبراهيم عبد المجيد عن روايته الأشهر وربما الأهم “لا أحد ينام في الإسكندرية” التي بدأ كتابتها عام 1958 وهو لا يزال في الحادية عشرة من عمره، شغلته الإسكندرية وناسها وأحوالها وتاريخها والحكايات المتناثرة هنا وهناك عن مجدها القديم وتاريخها العتيق. بدأ عبد المجيد في كتابة قصة اسمها “كان يعرف أسماء البلاد” تطورت فيما بعد لتصبح نواة للرواية الأشهر له “لا أحد ينام في الإسكندرية”.
انشغل بإعداد بحث كبير عن الصحراء الشمالية، وقرأ كثيرًا عن الحربين العالميتين، وبدأ يلتفت لقصاصات الصحف ومانشيتاتها خلال الفترات التاريخية الصعبة، كما تكثفت زياراته للبيوت والأحياء بالإسكندرية على نحو مستمر لتتشكل مادة ثرية للغاية تطورت فيما بعد على الورق لتمنحه عملا أدبيًا فارقًا ومدهشًا.
كتب عبد المجيد القصة القصيرة أيضًا. هو يفرد لها القسم الرابع والأخير في الكتاب، يقول إن ما وراء كتابة القصة القصيرة يختلف عن ما وراء الرواية، يقول أيضًا إن القصص القصيرة كلها لها أصل في الحياة، لم تكن ترهقه في البحث عن لغة او بناء، يعترف كذلك بإعجابه بقصص بهاء طاهر ويحيى الطاهر عبد الله ومحمد البساطي، حيث التجريب والإيجاز، ولكن يبقى تأثير يوسف إدريس عليه هو الأعمق. يقول: “الوحيد الذي كان ينفرد بي تماما هو يوسف إدريس الذي قرأته متأخرًا بعد أن نشرت أول قصصي عام 1969. أوقفني عن الكتابة لأني كلما كتبت قصة وجدته فيها. توقفت عاما تقريبا حتى انتهى تأثيره علي ككاتب لكن بقي انفجاره المجنون بما لا نتوقعه جميلًا. حلمت به مرة يمليني قصة كاملة، حين نهضت في الصباح وجدت نفسي نسيتها تمامًا”.
ولد إبراهيم عبد المجيد في 2 ديسمبر 1946 بالإسكندرية، وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1973، في العام نفسه رحل إلى القاهرة ليعمل في وزارة الثقافة، حيث تولى الكثير من المناصب الثقافية: منها اختصاصي ثقافي بالثقافة الجماهيرية في الفترة من العام 1976 حتى 1980. ومستشار بإدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية في الفترة من 1980 حتى 1985. ومستشار بهيئة الكتاب في الفترة من 1989 حتى 1991.
أصدر عبدالمجيد عددا كبيرا من الروايات والمجموعات القصصية والأعمال المترجمة منها: في الصيف السابع والستين، المسافات، ليلة العشق والدم، الصياد واليمام، بيت الياسمين، البلدة الأخرى، قناديل البحر، لا أحد ينام في الإسكندرية، طيور العنبر، مشاهد صغيرة حول سور كبير(مجموعة قصصية)، إغلاق النوافذ (مجموعة قصصية)، سفن قديمة (مجموعة قصصية)، مذكرات عبد أميركي (ترجمة)، غواية الإسكندرية (كتاب)، شهد القلعة، في كل أسبوع يوم جمعة.
وحصل أيضًا على جوائز مهمة منها جائزة نجيب محفوظ للرواية من الجامعة الأميركية بالقاهرة عن “البلدة الأخرى” عام 1996م. وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لأحسن رواية عن “لا أحد ينام في الإسكندرية” عام 1996. وجائزة الدولة للتفوق في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2004. وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2007.

You might also like