ظاهرة مستفحلة هدفها البحث عن إعجاب الآخرين

إدمان نشر الصور في “انستغرام” مرض ينذر بالاكتئاب ظاهرة مستفحلة هدفها البحث عن إعجاب الآخرين

القاهرة – محمد فتحي:
كثيرون ينشرون صوراً على مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصاً “انستغرام” ويصل الأمر معهم إلى حد الادمان، من دون أن يدروا أنهم بذلك لديهم مشكلات صحية ونفسية، هذا ما كشفت عنه دراسة حديثة تؤكد أن مشاركة الكثير من الصور على مواقع التواصل الاجتماعي قد يكون مؤشرا على المعاناة من الاكتئاب وأمراض أخرى يجب الانتباه اليها ومعالجتها فورا قبل أن يتفاقم الوضع لأسوأ من ذلك، “السياسة” تناقش هذه الدراسة وتحللها نفسيا واجتماعيا، وتستعرض آراء عدد من الرجال والنساء من مدمني نشر الصور، ورأي خبير تنمية بشرية حول التخلص من هذا الادمان،
فقد نبهت دراسة أميركية أجراها باحثون من جامعتي هارفارد وفيرمونت، إلى أن مشاركة الكثير من الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، قد يكون مؤشرا على وجود مشكلات صحية ومعاناة من الاكتئاب، واعتمدت الدراسة على حاسوب مبرمج يستطيع تحديد حالات الاكتئاب استنادا إلى طبيعة الصور التي يشارك بها المستخدمون، والتعليقات التي ترافقها، وقد شخّص هذا الحاسوب الاكتئاب في 70 في المئة من الحالات، فيما لا يقوم الأهل والأطباء بذلك الا بـ 40 في المئة.
وأشارت الدراسة إلى أن صور المصابين بالاكتئاب تميل في أغلب الأحيان إلى الألوان القاتمة، كما أنها تجلب عددا أكبر من التعليقات مقارنة بمنشورات غير المكتئبين، واستخدم الباحثون، حاسوبهم المبرمج في تحليل 43 ألفا و950 صورة، واعتمدوا على حسابات 166 شخصا، 71 منهم شخصت لديهم الاصابة بالاكتئاب في وقت سابق، واستطاع برنامج الحاسوب أن يتعرف على الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب، ويرى الباحثون أن البرنامج ما يزال في حاجة إلى التطوير حتى يصبح أداة مساعدة للطب مستقبلا، وأكدت الدراسة أن مدمن نشر الصور يجب أن ينتبه إلى كل ذلك ومعالجة الأمر قبل أن يصبح مريض نفسيا أو يتفاقم الوضع أكثر من ذلك.
وترتبط نتائج هذه الدراسة بدراسة أميركية أخرى أكدت أن هناك من يقومون بنشر صور توثق لحظات حياتهم وخصوصا فيما يتعلق بمأكولاتهم ومشروباتهم بصورة دورية، وبالرغم من أن البعض يعتقد أنهم يستمتعون بذلك الا أن هذا السلوك يكشف عن اصابتهم بأمراض نفسية تحتاج لاستشارة طبيب، حيث انهم يعانون من اضطرابات سلوكية وأمراض نفسية لا ينبغي تجاهلها.
كما ربطت دراسة سابقة لجامعة ميتشغن الأميركية بين نشر الصور والكثير من المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي وبين التعاسة والأمراض النفسية والشعور بالوحدة والعزلة.

متابعة بشغف
استطلعنا آراء العديد من الرجال والنساء من مدمني نشر صورهم على انستغرام، حيث أحمد عز الدين: أحب جدا نشر صوري على مواقع التواصل الاجتماعي، وأتابع بشغف عدد الاعجابات والتعليقات التي تأتيني، وأحيانا أتعجب من ذلك، ولكني أشعر بفرحة عندما أجد من يتابعني ويتابع ما أكتبه أو أنشره من صور، ولا أهتم ان كان ذلك يدل على مرض نفسي أم لا ولكني أجد نفسي في ذلك.
كما محمود صبحي: أعتقد أني مدمن نشر صوري في كل الأوقات التي أعيشها، وخصوصا مع أصدقائي، ولكني سعيد بذلك، ولا أريد أن أتوقف عن نشر الصور، وبدلا من أن أعتبر ذلك ادمان سأعتبره هواية، ولكني أحاول جاهدا ألا يأخذ ذلك الوقت مني، وأحاول أن أوازن بين العمل ونشر الصور وخصوصا أني لست متزوجا، كما أن التكنولوجيا سيطرت على حياتنا في كل شيء.
و سامح طاهر: لا أنشر صور كثيرة، ولكني عندما أنشر أي صورة لي أتابع لمدة طويلة الاعجابات والتعليقات، وأتضايق جدا عندما لا يأتيني اعجاب على صوري، واعرف اناساً يدمنون نشر الصور فهؤلاء بالفعل مرضى ويحتاجون لعلاج.
سارة حامد: أكثر الأوقات التي أنشر فيها صوري عندما أكون في حالة ضيق أو غضب من شيء، فأشعر بأن نشر الصور على انستغرام تنفيس عن الحالة التي أعيشها، وبالفعل أنا مدمنة نشر صور، فطوال اليوم أنشر صوري، وخصوصا عندما أكون مكتئبة، ولكني لن ألجأ إلى العلاج. سوسن علي: نعيش الكثير من الظروف الصعبة التي تجعلنا نبحث عن شيء يشغلنا، وأنا شخصيا وجدت ضالتي في مواقع التواصل الاجتماعي، فأنا دائما أفتح هاتفي أو جهاز الكمبيوتر على هذه المواقع، فاما أن أكتب رأيا في شيء أو أنشر صورة، وأفرح بشدة من كم الاعجابات والتعليقات، ويخرجني ذلك من الحالة النفسية السيئة التي أعيشها أحيانا.
أمال مصطفى: الفتيات أكثر من يدمن نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنهن بطبعهن حساسات ويشعرن بوحدة ويحتجن لمن يساعدهن عن الخروج من هذه الحالة، ولذلك نلجأ إلى نشر الصور، فمن الممكن أن يخرجني تعليق على صورتي من حالة اكتئاب، ولذلك سأداوم على ذلك.
الافتقاد للاهتمام
يقول د. محمد يحيى- أستاذ علم النفس-: هناك أمران في فكرة ادمان نشر الصور على انستغرام أو أي مواقع تواصل أخرى، فهي فكرة أن يصل الشخص إلى ادمان ذلك، والسبب الذي دفعه اليه، ففكرة الادمان في حد ذاتها تأتي من وقوع الشخص في حالة من الاستغراق في التعامل مع هذه الصور والمواقع، فتصبح مسيطرة بشكل كامل على تفكيره وأسلوب حياته، وهناك من يريد أن ينسحب من عالمه الواقعي إلى عالم افتراضي يشعر فيه بالاهتمام جراء اعجاب البعض بصورته، أما عن فكرة الارتباط بين ادمان هذه الصور ووجود مرض نفسي أو صحي فهو نتيجة الافتقاد للاهتمام الأسري والمجتمعي، ويحاولون بذلك لفت الانتباه ويحتاجون إلى مزيد من الاندماج في المجتمع ومتابعة حالتهم النفسية، فهذا النوع من الاضطراب السلوكي يعد بابا لدخول الاكتئاب والأزمات غير الصحية من الناحية النفسية، ونتيجة لهذه الحالة أو الاصابة بالاكتئاب فتميل صورهم إلى الكآبة التي يعيشونها، ولذلك مثلما ذكرت الدراسة تميل الصور إلى الألوان القاتمة،
وعلاج كل ذلك يأتي أولا من شعور الشخص بأنه غير طبيعي، وأنه في حاجة إلى الابتعاد عن كل ذلك، فادمان نشر الصور ما هو الا سعادة لحظية وشعور بالاهتمام يتلاشي مع الوقت، واذا نشر صوراً ولم يجد اهتماماً بها سيزيد ذلك من مشكلته، لأنه سيجد الاهمال من الواقع الذي يعيشه والعالم الافتراضي، ولذلك عليه أن يدرك أنه يجب أن يشعر بذاته في أمر حقيقي وليس مجرد صورة، وهذا الأمر اما تعليم أو عمل أو أي شيء آخر، أما عن الأسرة فيبدأ دورهم من التربية، فيجب أن يراعوا أن الطفل أو الشاب في مرحلة معينة من عمره يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والالتفات لاهتماماته ومتطلباته حتى لا يبحث عنها بطرق أخرى أصعب من ادمان نشر الصور.

هروب من مواجهة مشكلة
يقول د. محسن زكريا- أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق: هذه المشكلة يعيشها كثيرون في الفترة الأخيرة، وأرى أن السبب فيها مشترك بين الشخص الذي أوصل نفسه إلى حالة من ادمان نشر صوره، والمجتمع الذي لم يعطيه الاهتمام، فيجب أن يفكر الشخص في مدي الفائدة التي تعود عليه من نشر صوره بالكثرة التي تصل إلى الادمان، فما هو الانجاز الذي يجنيه من وراء ذلك، فهو يبحث فقط عن الشعور بالسعادة عندما يجد أن هناك من تعجبه صورته، ولكن لا يشترط أن يكون هذا الاعجاب نتيجة الاهتمام بالشخص أو الاعجاب بصورته، فربما تكون مجاملة، وهناك من يعطي اعجاب على أي شيء أمامه، وهناك من يعطي اعجاب لصورة شخص من أجل أن يرد اليه الاعجاب على صورته، فمواقع التواصل الاجتماعي لها أضرار كثيرة عندما تسيطر علينا بهذا الشكل، فيبحث الشخص فيها عما يفتقده في الحقيقة.
وهذا ادمان سلوكي، ويسهل التعامل معه من قبل الشخص المدمن وأسرته، فللأسف العائلات الآن تفتقد إلى الحوار، وهذا أول شيء في العلاج، أن تعود الأسرة إلى الحوار مع أبناءها، ويندمج الجميع في المجتمع الحقيقي بمشكلاته وفرحه وحزنه، أما اذا كان الأمر متعلق بمرض نفسي أو اكتئاب فيجب التحدث مع شخص، ففي المجتمعات الشرقية من الصعب التحدث مع طبيب نفسي، ولكن يمكن استبداله بشخص ما نتحدث معه عما يجعل لدينا اكتئاب، فيجب مواجهة المشكلة وليس الهروب منها من خلال ادمان نشر الصور، فهذا الادمان في الواقع هروب من مواجهة مشكلة معينة، ولذلك يجب البحث عن حلول للمشكلة بدلا من الدخول في دائرة نشر الصور وعدم الخروج منها.

التخلص من الادمان
عن كيفية التخلص من هذا الادمان يقول أحمد راغب- خبير الطاقة والتنمية البشرية اكدت الدراسات ت أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الاهتمام المبالغ فيه بنشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة انستغرام ووجود أمراض نفسية، فالشخص الذي يدمن نشر صوره أو صور حياته اليومية هو شخص فاقد الذات، ويبحث عن المظهر ولا يهتم بالجوهر، ويدل ذلك عن خلل في التربية، فأسرته لم تستطع أن توصل اليه أنه ذو قيمة، وعندما كبر يحاول أن يصنع لنفسه قيمة، فيحاول أن يظهر قدراته الخارجية مثل الشكل أو ما يفعله في يومه من خلال الصور التي يقوم بنشرها، وذلك من أجل الحصول على اعجاب الناس، ومعالجة هذا الأمر يشترك فيه الشخص المدمن لنشر الصور ومن حوله، فعلى أسرته أن يمنحوه الثقة والمالمزيد من الاهتمام،
أما عن الذي أدمن نشر صوره فيجب أن يدرك أولا أن هناك مشكلة، ويبدأ يفكر في انجازات حقيقية في حياته، ويبحث عن أنشطة اجتماعية أو رياضية أو خيرية، مما يجعله لديه القدرة على الانفصال عن العالم الافتراضي الذي أدمن التواجد فيه، فالأساس في العلاج أن يشعر الشخص بذاته وقيمته، وهذا لن يتحقق في العالم الافتراضي، ولكن يجب أن يحدث ذلك في الواقع، فاذا كان لديه مهارات أو هواية فعليه أن ينميها، ويجب أن يكون لديه هدف يسعى إلى تحقيقه، ويجب أن توفر له أسرته المجال لذلك وتهيأ له الأجواء وتشجعه على ذلك.