إرادة حديدية ومثابرة جمس وات ثم ماذا؟ شفافيات

0 6

د. حمود الحطاب

من الصعب جدا البناء على غير مثال سابق، ولربما كان “وات” البريطاني يعاني من التفرد في تجاربه الصناعية، وهو معذور حين يكبو مرات عدة، ولكن لاعذر لمن لديه دراسات علمية سابقة ومقننة أن يقع في مطبات كبيرة نتيجة للرغبة في تطوير الفكر والعمل.
ولم يكن الإخفاق الذي مني به وات جراء آلته التي لم يجد حوله من يتقن صناعة أجزائها، لم يكن هذا الإخفاق سببا في اقلاعه عن كل محاولة للبدء من جديد في تحسين أوضاعها ولو بعد حين. ولقد أفنى من شبابه اثني عشر عاما في محاولة تحسين اوضاع آلته البخارية، فماذا كان يدور في مخيلته وهو يجري تجاربه عليها طيلة كل هذه الفترة؟
ورغم تباعد الزمن نسبيا بيننا وبينه لكن مشاركتنا وات في تخيل مستقبل أفكاره حس إنساني لايمنعه تباعد الزمن ولا المسافة.
مدة طويلة حقا قضاها في تجارب لم تحقق بصيص نور في نجاح قد يصيب بعض العجولين من البشر بالإحباط، ولعل هذا الصبر هو ما يميز الشخصية الانكليزية التي لاتتصف بالعصبية في حل المشكلات، وهذا فارق كبير وميزة في الشخصية الانكليزية مكنت بريطانيا من السبق والتفوق كما أتصور، ولقد اقترض وات من أجل بعض محاولاته التطويرية تلك لآلته البخارية أكثر من ألف جنيه، وقد كانت كثيرة في زمنه، اقرضه إياها استاذه جوزف بلاك الذي لم ييأس من قدرة تلميذه على تطوير آلة الضخ “نيو كومن” وبسبب تداخل الحياة البشرية فقد قرر وات الزواج واللحاق على شبابه، وكعادة الزواج فإنه قد جره الى عالمه ودنياه، فنحى العمل في تطوير “نيو كومن” وتوجه لتقديم نماذج هندسية في تصميمات الثغور والكباري والعمل في المساحة والهندسة،وظل استاذه العبقري يتابعه حتى لا يبتعد عن إتمام مشروع تطوير تلك الآلة التي وصفت لاحقا بأن العالم يبحث عن اقتنائها، فعرفه الى “جون روبك” الذي كان يبحث عن آلة أكثر فاعلية من “نيو كومنت “لضخ الماء في مناجم الفحم التي كانت تمد بالوقود مصانع الحديد التي يملكها في “كارون” ووافق أن يدفع ديون وات التي تراكمت عليه ويمده بالمال ليكمل تطوير آلته مقابل ثلثي الأرباح التي سيجنيها من التركيبات أو البيع. ولكي يضمن وات حقوقه في الاختراع قدم طلبا للبرلمان ليمنحه براءة اختراع ثم مدد مدتها بعد حين،حيث لم توفق تجاربه بشكل مناسب. انظرو أعزائي فالاستعجال والعصبية لايحققان النجاح، وهما ليسا من صفات الشخصية البريطانية كما قلتُ، وقد لاحظتها أيضا أكثر في رحلتنا السياحية الأخيرة لبريطانيا،إنهم يفكرون بهدوء وروية.ولنا أن نقف وقفات تأمل وتفكير ودراسة في مسببات تكوين هذا الجانب القوي في الشخصية الانكليزية.
ولا أطيل عليكم تاركا لكم المجال في البحث عن التفاصيل، فأبشركم بأن جمس وات قد نجح بعد معاناة عظيمة أدت بالسيد جون روبك الى أن يبيع نصيبه في الشركة الى السيد “ماثيو بولتن” الذي تزوج من غنية، وأفنى ثروته في متابعة البحوث العلمية لإنجاح مشاريعها، وبنى قرب برمنغهام مصانع عدة كانت تصنع من مشابك الأحذية الى الثريات، وكان يعتمد على القوة المائية لتشغيل مصانعه، وأراد أن يستبدلها بمكاين البخار فغامر بأمواله بصدد انجاح مشروع الآلة البخارية واخترع كبير الحدادين “ولكنسن”قضيبا لخرم الاسطوانات مكن وات وبولتن من تنفيذ مشروع وات وكان ذلك الانتاج المضاف العام 1775.
ولم يتوقف وات عن تطوير الآلة وإجراء التعديلات التوربينية عليها بدلا من المكابس، واجرى تطويرات ناجحة لها وقد عجل النجاح في صنع آلة البخار هذه وتطويرها في تطوير الصناعة البريطانية أولا وبشكل مذهل جدا، وسارع في صناعة تلك الالات وبيعها الى كافة أرجاء انجلترا وطور في صناعتها وأصعدها المراتب الأولى في التقدم الصناعي بين كل دول العالم الذي حكينا لكم عن ثورتها يا سيدات ويا سادة، والتي انطلقت من مانشستر.
وأهنئ كل العرب الذين لايعرفون عن مانشستر غير فريقها الرياضي لكرة القدم ليشجعوه عبر شاشات التلفزيون، وهو والله ما هو بدارٍ عن هوى دارهم. وتوفي وات بعد شيخوخة قالوا عنها إنها رضية العام 1813. مانشستر الآن مدينة تسوق جميلة وهي مدينة هادئة ليست ثرثارة ولن تحكي لك قصتها وانطلاق ثور الصناعة منها. عليك أن تقرأ عنها فهي جديرة بالاحترام.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.